عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E اعيادنا المسيحية

الظهور الالهي

الظهور الإلهي
الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس

يشير عيد الظهور الإلهي إلى معمودية المسيح في نهر الأردن على يد القديس يوحنا السابق، المسمّى المعمدان. هذا جرى عند بلوغ المسيح سنّ الثلاثين، قبل أن بدأ منهجياً عمله التعليمي وقبل آلامه اللاحقة، لخلاص الجنس البشري. 
     
إن اختيار سنّ الثلاثين للبدء بالنشاط المعروف في العالم يرتبط بأن التكوّن البيولوجي للكائن البشري يبلغ كماله عند ذلك الحين، إضافة إلى أن هذا الأمر يجعله أكثر قبولاً عند إسرائيليي ذلك الزمن. يصف الإنجيليون هذا الحدث (متى 13:3-17، مرقس 9:1-11، لوقا 21:3-22، يوحنا 32:1-34). لن ندخل في هذه التفاصيل بل سوف نركّز على بعض الحقائق الأساسية لاهوتياً وخريستولوجياً.

-1- لا يشير الكتاب المقدس إلى الكثير من الأحداث في الزمن الممتد بين دخول المسيح إلى الهيكل ومعموديته. ما نعرفه هو الهرب إلى مصر والعودة منها، كما حضور المسيح إلى الهيكل في سنّ الثانية عشرة. هذا لم يكن من دون سبب، فالأناجيل لم تُكتَب لتصف كامل تاريخ المسيح بل لتقدّم تجسّد ابن لله وكلمته وتعليمه وما تحمَّله من آلام من أجل الجنس البشري. الأناجيل كانت بالأساس أدوات مساعدة تعليمية. لهذا لم يكن من حاجة للإشارة إلى الأحداث التاريخية في حياة المسيح ولا لسني طفولته. ظهوره في الهيكل وَرَد في الإنجيل لأنه كان علامة مبكرة على كونه ابن الله. 
     
لا يعني غياب أحداث طفولة المسيح ومراهقته أنّه كان غائباً عن اليهودية. عاش المسيح إلى جانب أمه ومربّيه يوسف "وَكَانَ خَاضِعًا لَهُمَا" (لوقا 51:2). يتحدّث البعض عن أمور تفتقد للإثبات، غير صحيحة وما هي إلا اختراع الخيال، ومنها أن المسيح ذهب إلى بلدان أخرى، كالهند مثلاً، وهناك قضى حياته إلى عمر الثلاثين، حين ظهر فجأة في الناصرة وعند نهر الأردن. لا بد لهذه الأمور، لو أنها قد جرت فعلاً، من أن تترك انطباعاً مهماً عند أهل بلده وقت ظهوره. في أي حال، يظهر عدد من المقاطع الأنجيلية أن المسيح كان معروفاً عند أبناء بلده، وأنّ ما فاجأهم هو حكمته. من هذه المقاطع ثلاث مميزة تحمل هذه الحقيقة. 
     
المقطع الأول مأخوذ من إنجيل يوحنا ويذكر أنّه فيما كان المسيح يعلّم في الهيكل، "َتَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: «كَيْفَ هذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟»" (يوحنا 15:7). واضح من النص أن اليهود كانوا يعرفون أن المسيح لم يتعلّم في المدارس المعروفة جيداً في ذلك الحين. يرد المقطع الثاني في إنجيل متى ويشير مجدداً إلى ذهول أبناء بلده عندما كان يعلّم في المجمع، إذ "َقَالُوا:«مِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُوَّاتُ؟ أَلَيْسَ هذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لِهذَا هذِهِ كُلُّهَا؟»" (متى 54:13-56). إذاً، كان المسيح معروفاً جيداً من أبناء بلده وبخاصة الجوار الذي تربّى فيه، والذي تألّف من أمه ومربيه وإخوته الذين كانوا من زواج سابق ليوسف. يرد المقطع الثالث في إنجيل مرقس (2:6-3) ويوازي المقطع السابق، مع فارق أن المسيح يوصَف شخصياً بالنجّار، ما يعني أنّه كان معروفاً أيضاً بصنعته. يظهر من هذه المقاطع أن المسيح، في عمر الثلاثين، كان معروفاً عند أبنا بلده وأنّه عاش في منطقة محددة مع إخوته من أولاد مربيه يوسف، وأن الجميع كانوا يتعجبون من حكمته والعلامات التي قام بها. وبالتأكيد، عندما ينذهل أحد ما لأحد الأمور، يظهِر معرفته بوجود الأمر أو جهله لهذا الوجود في آن معا.

-2- الحدث الذي نعرف عنه أكثر من غيره من أحداث فتوة المسيح هو حضوره إلى الهيكل ومحادثته مع المعلمين، وقد كان يستمع للمعلمين طارحاً عليهم أسئلة. بالواقع، كما يذكر القديس الإنجيلي "وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ" (لوقا 47:2). من دون الدخول في تفاصيل هذا الحدث، يمكننا التوقف عند مقطعين ذي دلالة لارتباطهما بتجسّد المسيح. يتعلّق الأول بحياته بعد عيد الدخول في عمر الأربعين يوماً. يكتب الإنجيلي القديس: "وَكَانَ الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، مُمْتَلِئًا حِكْمَةً، وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ." (لوقا 40:2). والمقطع الثاني يأتي بعد حدث الهيكل وكان المسيح قد بلغ الثانية عشرة: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ." (لوقا 52:2). 
     
ليس من مشكلة حول عمر المسيح ونموه الجسدي. هذا جرى بالطريقة الطبيعية كما لكل البشر لكونه إنساناً كاملاً في الوقت نفسه. تكمن المشكلة في "مُمْتَلِئًا حِكْمَةً" و"يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ"، من جهة أن طبيعته البشرية تألّهت عند اتحادها بأقنوم الكلمة في رحم والدة الإله القديسة. الهرطوقي نسطوريوس قال أن العذراء ولدت مجرّد إنسان تلقّى مع الوقت نعمة الله. هذا أدانته الكنيسة لأن الطبيعة البشرية تألّهت مباشرة عند اتحادها بأقنوم الكلمة. "يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ" تعني، بحسب القديس يوحنا الدمشقي، أنّه مع تقدمه في العمر، كان المسيح يظهر "الحكمة التي كانت فيه". لقد كانت الحكمة في المسيح بقوة الاتحاد الأقنومي للطبيعتين الإلهية والبشرية، لكن هذه الحكمة كانت تُظهَر بحسب عمره. 
     
طوّر القديس ثيوفيلاكتوس هذه الأطروحة تحليلياً، وهو في تفاسيره يتبع الآباء القديسين وخاصةً القديس يوحنا الذهبي الفم. فهو يقول أن المسيح، وهو في رحم أمه، بلغ ملء قامة الكائن البشري، لكن هذا قد يبدو كالخيال. لهذا كان يتقدّم تدريجياً مثل كل الأولاد. حكمة كلمة الله ظهرت إلى جانب قامته الجسدية. لم يصر المسيح حكيماً بسبب العمل المضني "بل تدريجياً أظهر حكمته المتأصّلة بحسب عمره الجسدي." لو كان أظهر كل حكمته منذ الصغر، لكان بدا غريباً. لم يزدد المسيح بالحكمة مع تطوره الجسدي، بل هو كشف وأظهر للبشر الحكمةَ التي فيه أصلاً. 
     
لا يوجد ما يساوي هذا الأمر في الحالات البشرية لكننا سوف نأخذ مثالاً تنازلياً. عند الولادة، يكون للطفل عدد من المواهب الفطرية التي لا تظهر جميعاً في ذلك الوقت. يمكننا أن ندرك بعضها بشكل أو بآخر لكنها تظهر مع تطوره الجسدي والعقلي. هذا الولد يمكن أن يكون حكيماً بالإمكانية لكن عندما ينمو يصير حكيماً بالفعل. يمكن أن يكتسب مواهب فنية لنه يعبّر عنها بحسب عمره. يمكن أن نلاحظ الأمر نفسه في المسيح مع فارق وجوب استبدال المواهب بالألوهية. المسيح كان إنساناً كاملاً وإلهاً كاملاً. الطبيعة البشرية التي اتّخذها تألّهت منذ أولى لحظات الحمل، لكن حكمة كلمة الله ظهرت مع النمو في قامته الجسدية.

-3- يُسَمّى حدث معمودية المسيح على يد يوحنا السابق في نهر الأردن الظهور الإلهي (Theophany - Epiphany). في كنيسة العصور الأولى، كان عيدا الميلاد والظهور يُعيَّدان في اليوم نفسه، أي السادس من كانون الثاني. في القرن الرابع، انفصل العيدان ونُقل عيد الميلاد إلى الخامس والعشرين من كانون الأول، أي أنّ اليوم الذي كان يعيّد فيه الوثنيون لإله الشمس صار يوم التعييد لشمس البِر. على المنوال نفسه، يصف القديس غريغوريوس اللاهوتي هذا العيد بأنه، بسبب المعمودية وإشعال النار، عيد الأنوار واستنارة الموعوظين. 
     
تأتي كلمة ظهور (Theophany) من المقطع الرسولي "اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ." (1 تيموثاوس 16:3) وهي مرتبطة بالأغلب بميلاد المسيح. تأتي كلمة ظهور (Epiphany) من المقطع الرسولي: "لأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اللهِ الْمُخَلِّصَةُ، لِجَمِيعِ النَّاسِ" (تيطس 11:2)، وهي ترتبط بالدرجة الأولى بمعمودية المسيح إذ عندها أدرك البشر نعمة الميلاد. 
     
في مجمل الأحوال، الحقيقة هي أنّه في يوم معمودية المسيح، مع ظهور الثالوث القدوس واعتراف السابق الشريف، صار عندنا اعتراف رسمي بأن ابن الله وكلمته هو "أحد الثالوث" وقد صار إنساناً ليخلّص الجنس البشري من الخطيئة والشيطان والموت.

-4- الشخص الذي لعب دوراً أساسياً في معمودية المسيح هو السابق الشريف يوحنا المعمدان. إنّه نبي عظيم وشخصية عظيمة تأتي بين العهدين القديم والجديد. فهو آخر أنبياء العهد القديم وأول أنبياء العهد الجديد. لقد حُبل به عجائبياً بتدخّل إلهي بزرع من أبيه زخريا، وليس من الروح القدس. تتعلّق بمولده أحداث خارقة. يشير سكنه منذ عمر الثالثة في الصحراء إلى السيرة الملائكية. تعليمه عن التوبة كان لتهيئة البشر لاستقبال المسيّا. اتّضاعه كان مثيراً لخوف الله. كما أن مقاربته للكمال تظهر أنّه بلغ قامة مرتفعة من النعمة. 
     
كان السابق الشريف قريباً للمسيح لكون العذراء كانت قريبة لأليصابات والدة السابق. عندما كان السابق جنيناً ذا ستة أشهر في رحم أمه، جاءت البشارة إلى والدة الإله، وهكذا نفهم أن السابق كان يكبَر المسيح بستة أشهر. تلقّى يوحنا السابق الروح القدس الذي أبرزه نبياً عندما كان جنيناً ذا ستة أشهر في بطن أمه. إذ عندما سلّمت العذراء، وكانت في بداية حملها من الروح القدس، على أمه أليصابات، "ارتكض الجنين في بطنها" (لوقا 41:1). هكذا صار نبياً ومرّر الموهبة النبوية إلى أمه، فهي بهذه الطريقة عرفت والدة الإله (القديس غريغوريوس بالاماس). 
     
لقد أُعطيت الكثير من الصفات ليوحنا السابق. كلمة "يوحنا" تعني عطية الله. السابق هو الذي يتقدّم على الطريق، أي بشير المسيّا. هو يُدعى المعمدان لأنّه عمّد المسيح. في قانون عيد الظهور، يصفه القديس قوزما المنشئ أسقف مايوما بثلاث عبارات: صوت الكلمة، شمعدان النور وسابق الشمس. كما أنّ ابن الله وكلمته هو كلمة الآب المتجسّد، يوحنا هو صوت الكلمة. وكما أن المسيح كإله هو النور الأزلي غير المخلوق، السابق هو الفانوس. ولأن المسيح هو شمس البِر، أي شمس الألوهية اللامعة، يوحنا هو جالب الفجر، أي نجمة الصبح التي تخبر بمجيء الشمس. وهكذا يظهر أنّ كل الأسماء والألقاب والجمل مرتبطة بعمله الأساسي الذي هو إعلان جيء المسيّا.

-5- كلمة معمودية (Baptism)، بحسب تفسير القديس نيقوديموس الأثوسي، والتي تعني تغطيس، هي اسم فعلٍ يأتي من الفعل عمّد (bapto) الذي يعني غطّس أو غمر. إذاً، المعمودية مرتبطة بالماء. يعلّم الآباء أنّ هناك عدداً من أنواع المعموديات. يعلّم القديس غريغوروس اللاهوتي عن خمسة أنواع. الأول هو معمودية موسى التي تعطي تطهراً مؤقتاً. الثاني هو معمودية السابق الذي عمّد الناس بمعمودية التوبة. الثالث هو معمودية المسيح التي بها يصير البشر مسيحيين وهي تتمّ بقوة الروح القدس. الرابع هو معمودية الشهادة والدم، والخامس هو معمودية التوبة والدموع. 
     
القديس يوحنا الدمشقي، في كلامه عن هذه المعموديات، يضيف إليها أيضاً. فهو يتحدّث عن ثمانية أشكال. الأول هو معمودية الطوفان لمحو الخطيئة. الثاني معمودية البحر والغمامة، إشارة إلى حين عبر الإسرائيليون البحر واختفوا بالغمامة. الثالث هو المعمودية القانونية التي يحكي عنها الناموس الموسوي والمرتبطة بالطهارة الجسدية. الرابع هو الذي قام به يوحنا السابق وكانت مدخلاً لأنها قادت المعتمدين إلى التوبة. هذا يعني أن يوحنا لم يغفر الخطايا بالمعمودية بل هيّأ للغفران بمساعدة البشر لأن يدركوا خطيئتهم وينتظروا معمودية المسيح الكاملة. الخامس هو معمودية المسيح عند مجيئه إلى الأردن. هذه معمودية خاصة لأن المسيح كان بلا خطيئة ولم يعترف. السادس هو معمودية الرب الكاملة التي جرت في الكنيسة بالماء والروح. السابع هو معمودية الدم والشهادة التي حصّلها المسيح لنا؛ وهي تتعلّق بالآلام والصليب، وعلى منوالها شهادة القديسين الذين يشتركون بآلام المسيح. والثامن هو المعمودية الأخيرة، وهي لا تُوصَف بالمعمودية الخلاصية، لأنها تزيل الخطيئة وتعاقبها إلى ما لا نهاية. إنها نار جهنّم. يميّز القديس يوحنا الذهبي الفم بين المعموديتين اليهودية والمسيحية. الأولى لا تطهّر من خطايا النفس بل من قذارة الجسد فقط. معمودية الكنيسة أكثر سمواً بما لا يقارَن لأنها تحرّر الإنسان من الخطايا، تطهّر النفس، وتمنح الروح القدس. بين هاتين المعموديتين تأتي المعمودية التي مارسها السابق الشريف، والتي كانت جسراً بين اليهودية والمسيحية. معمودية يوحنا كانت أرفع من المعمودية اليهودية، لأنها أشارت إلى المسيح، لكنّها أدنى من المعمودية المسيحية.

-6- بما أن معمودية يوحنا قادت البشر إلى تحسس خطاياهم وهيأت الشعب لتقبّل معمودية المسيح الأكثر كمالاً، وبما أن المسيح كان إلهاً كاملاً وإنساناً كاملاً ولم يخطأ أبداً، لماذا اعتمد إذن؟ الجواب على هذا السؤال يكشف لنا حقائق عظيمة. 
     
يقول القديس يوحنا الدمشقي أن المسيح لم يعتمد لأنّه كان بحاجة إلى التطهر "بل لينسب لنفسه طهارتنا". كما أن المسيح تألّم وصُلب من أجل الجنس البشري وأحسّ بالألم وبالأسى العظيمين، كذلك هو نَسَب لنفسه طهارتنا. الكثير من الأمور جرت على هذا المنوال. إذاً، بحسب الدمشقي، اعتمد المسيح لكي يسحق رؤوس التنانين التي في الماء، إذ كان الاعتقاد السائد هو بأن الشياطين تعيش في الماء؛ لكي يغسل الخطيئة ويدفن آدم القديم في الماء؛ لكي يبارك المعمِّد، فالسابق لم يبارك المسيح بل المسيح باركه عندما وضع الأخير يده على رأس المسيح؛ لكي يحفظ الناموس، لأنه هو نفسه وضعه ويجب ألاّ يظهر مخالفاً له؛ لكي يكشف سر الثالوث، إذ عند تلك اللحظة تمّ ظهور للثالوث القدوس؛ لكي يصير مثالاً لمعموديتنا التي هي معمودية كاملة تتمّ بالماء والروح القدس. 
     
أبعد من هذه الأمور، باعتماده في نهر الأردن، بارك المسيح المياه أيضاً. لهذا نحن، إلى اليوم، نقيم خدمة تقديس المياه وخلالها نستدعي الروح القدس ليبارك الماء. وهكذا بعد مباركتها لا تعود مجرد مياه من السقوط بل تصير ماء للتجديد لأنها متحدة بنعمة الله غير المخلوقة.

-7- في التقليد الآبائي، يرتبط اعتماد المسيح في نهر الأردن بعبور الإسرائيليين العجائبي للبحر الأحمر. كما أن المصريين غرقوا والإسرائيليين نجوا بقوة الكلمة غير المتجسد الصانعة العجائب من خلال موسى، كذلك هنا بقوة الكلمة المتجسّد، يتجدد الإنسان الفاسد الشرير والتنانين تُسحَق، أي أن الشياطين يخسرون قوتهم. 
     
يقول القديس نيقوديموس الأثوسي أنّ الخزّاف يحتاج إلى عنصرين لكي يعطي الوعاء شكلاً: الماء لتحويل التراب إلى طين، والنار لكي يحرق الطين ويعطيه شكلاً. والله، خزّاف طيننا العظيم، يفعل الأمر نفسه. فهو، إذ أراد أن يغيّر هيئة طبيعتنا المسحوقة بالخطيئة، استعمل النار والماء، وهو يصبغ النار من نفسه كونه "ناراً آكلة" تأكل الشر، وهو يستعير الماء من نهر الأردن. الحقيقة هي أنّه بتجسّد المسيح، وبكل مراحل التدبير الإلهي، بما فيها اعتماده في نهر الأردن بالتأكيد، أُصلِح كل الجنس البشري. بعد السقوط وسحق طبيعتا حصلنا على الإصلاح والتجديد. هذا الإصلاح ممكن، من جهة لأن الطبيعة البشرية لم تختفِ كلياً بعد الخطيئة، ومن جهة أخرى لأن الله هو الذي خلق الإنسان وهو الذي يعيد خلقه. 
     
يستحيل نوعاً ما أن يتواجد هذان العنصران معاً، الماء والنار. فالنار لا تشتعل وتزهو في مكان رطب، والماء تخمد النار. في نهر الأردن يستطيعان أن يكونا معاً لأن النار غير مخلوقة بينما الماء مخلوقة. وعليه، النار غير المخلوقة لا تتأثّر بعنصر الماء المخلوق. لا بل على العكس، الماء المخلوقة تصير مقدسة بنار الألوهية.

-8- لطالما كان نهر الأردن مشهوراً لعدد من الأحداث في التاريخ، لكن بالدرجة الأولى بسبب تعليم يوحنا السابق ومعموديته، وأيضاً بسبب اعتماد المسيح فيه. بحسب القديس يوحنا الذهبي الفم، الأردن هو رمز للجنس البشري. في المكان الأول، هو يسمى الأردن لأنه يأتي من مصدرين الأر (Jor) والدن (Dan). هذان النبعان يشكلان نهر الأردن الذي يصبّ في البحر الميت. بحسب أحد التفاسير الاختزالية، كل الجنس البشري يأتي من مصدرين، آدم وحواء، وبالخطيئة أُتي بالجنس البشري إلى التخدير، أي البحر الميت في هذه الحياة الحاضرة، حيث يوجد الموت. المسيح بتجسده دخل هذا الأردن، هذا الجنس البشري، وبهذه الطريقة غلب الموت واستعاد الجنس البشري إلى حياته السابقة. 
     
يتنبأ النبي داود: "البحر رأى وهرب؛ الأردن رجع إلى الوراء" (مزمور 3:114). بهذا يريد أن يشير إلى مفاجأة البحر ومعه المياه التي انتشرت في مكان واسع، ومعهما نهر الأردن عند نزول المسيح في الأخير. هذه المفاجأة مبررة في صلاة تقديس الماء التي كتبها القديس صوفرونيوس أسقف أورشليم. تقول الصلاة: "الأردن رجع إلى الوراء لما عاين نار اللاهوت منحدرة وحالَّةً فيك الجسد". نار اللاهوت في جسد المسيح حلّت في المياه. 
     
هذه النبوءة، بطريقة ما وإلى درجة ما، تنطبق أيضاً على حياة المسيحي. البحر هو حياة الإنسان المليئة بالمصاعب، وبالتالي مسماة بحراً مالحاً. وكما رأينا سابقاً، الأردن هو الحياة البشرية بعد سقوط آدم وحواء حيث أُتي بها إلى الإماتة ورُبطت بالركود والفساد. بالتوبة يتحرر الإنسان من بحر الحياة المالح فيما تتغيّر حياته وتتبدّل وتعود إلى ينابيعها الحقيقية وتأخذ معنى مختلفاً (إيسيخيوس الكاهن).

-9- خلال اعتماد المسيح ظهر الثالوث القدوس. أحد أهداف التجسد الإلهي، كما معمودية المسيح، كان إظهار الإله الثالوثي، إذ بالرغم من أن لله جوهر واحد وطبيعة واحدة، إلا أنه ثلاثة أشخاص، الآب والابن والروح القدس. إذاً، صوت الآب سُمع شاهداً ومؤكّداً أن الذي في الأردن في تلك اللحظة هو ابنه، بينما الروح القدس يظهر "بهيئة حمامة". الكشف نفسه عن الثالوث القدوس والتأكيد نفسه من الآب تكررا قبل آلام المسيح بقليل، عند تجليه الذي تمّ على طور ثابور. ينبغي أن نتطرق إلى هذا الأمر في الفصل عن عيد التجلي. 
     
يعالج القديس غريغوريوس بالاماس بشكل لاهوتي سبب ظهور الإله الثالوثي في ذلك الوقت. إنه يعلّم أن الإله الثالوثي يظهر عند خلق الإنسان وتجديده. إصلاح الإنسان هو قوة مشتركة عند الإله الثالوثي، لأن "الآب، من خلال الابن بالروح القدس يفعل كل شيء". إلى هذا، يقول الكتاب المقدس أن الإله الثالوثي قرر أن يخلق الإنسان: "لنصنعن الإنسان على صورتنا ومثالنا" (تكوين 26:1). الآب خلق الإنسان على صورة الكلمة ونفخ فيه الحياة بالروح القدس. وبما أن قوة الإله الثالوثي مشتركة بين الثلاثة، كل الثالوث القدوس اشترك في خلق الإنسان. إذاً، كان على الإله الثالوثي أن يظهر في إصلاح الإنسان وتجديده. إلى هذا، بدأ المسيح، بعد اعتماده، بعمله الظاهر لخلاص الجنس البشري. 
     
يشير ظهور الإله الثالوثي خلال إصلاح الإنسان إلى حقيقة لاهوتية أخرى، وهي أن الإنسان هو العضو الأرضي والعابد للثالوث القدوس، وأيضاً إلى أنه المخلوق الوحيد المصنوع على صورة الإله الثالوثي. بحسب ما يشرح القديس غريغوريوس بالاماس، لا تملك الحيوانات نوساً وعقلاً، بل فقط روحاً حية لا تأتي من ذاتها. هذا يعني أنه عندما تموت هذه الحيوانات تخسر الروح معها. فهي لا تبقى كونها بدون جوهر وليس عندها إلا القوة. للملائكة ورؤساء الملائكة أيضاً نوس وعقل ولكن لا روح تحيي الجسد، وبالتالي الإنسان وحده صورة الإله المثلث الأقانيم. إذاً، لهذا السبب ابن الله وكلمته، لكي يخلص العالم ويغيّره، صار إنساناً وليس ملاكاً، لأن الإنسان هو ذروة الخليقة. وهكذا من خلال الإنسان المتقدّس يتمّ تحوّل الخليقة وتغيرها.

-10- صوت الآب شهادة يحمل ويقدّم التأكيد على أنّه ابنه الحبيب. بحسب الإنجيلي متى، تأتي العبارة بالغائب "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" (متى 17:3). بحسب الإنجيلي مرقس تأتي بالمخاطَب "أنت ابني الحبيب الذي به سررت". لا أهمية لهذا. ما نراه هنا هو أن المتكلّم، أي الآب، يشهد لكلمته، ابنه الحبيب. كلمة الله وُلد من الآب قبل كل الدهور، وهذه الولادة هي الصفة الأقنومية للشخص الثاني في الثالوث القدوس. 
     
ما يستحق الإشارة، بحسب القديس غريغوريوس بالاماس، هو "الذي به سررت". لكي نرى أهمية هذه الجملة، وبشكل عام قيمة وأهمية تجسد ابن الله وكلمته، علينا أن ننتبه إلى الفرق بين سرور الله والخضوع لإرادته. إرادة الله واحدة، لكنها أحياناً تعمل بالسرور، عندما يريدها الله، وأحياناً بالتدبير. الله رأى سقوط الإنسان آتياً، فيما هو لم يخلقه لذلك، وفي النهاية أذعن لأن الإنسان أراد هذا. لا يستطيع الله أن يلغي حرية الإنسان، وبالتالي تتولد الكثير من المشكلات التي يسمح لها بالحدوث. الموت، المرض، والكثير غيرها سمح الله بها، لكنه هو نفسه لم يخطط لها. وهكذا فإن إرادة الله بالرضى هي أمر وبالتدبير أمر آخر. 
     
ضمن هذا الإطار يقول القديس غريغوريوس بالاماس أن تأكيد الآب "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" يظهِر أن التجسد كان إرادة الله بحسب مسرته التي تُدعى إرادة الله السابقة. هذا يعني أن تجسد المسيح كان "مبرمجاً" من الله بالاستقلال عن سقوط الإنسان لأن الخليقة تخلص فقط من خلال هذا الاتحاد بين المخلوق وغير المخلوق في أقنوم الكلمة. لذلك، كل ما في العهد القديم من القوانين والوعود، كانت غير مكتملة لكونها نتاج سقوط الإنسان، فهي لم تتم بحسب إرادة الله السابقة بل كانت تهدف إلى تجسد الكلمة. لم تكن نبوءات العهد القديم وقوانينه وغيرها وحدها تهدف إلى التجسد، بل حتى تأسيس العالم وخلقه كان هدفه اتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية، اتحاد المخلوق وغير المخلوق. خلق العالم تمّ لكي يتمكن الإنسان من اتّخاذ النموذج الأول. الشيء نفسه يصحّ على الناموس الذي أعطي في الفردوس. حتى الطبائع والمصاف الملائكية تنحو نحو هذه الغاية، والهدف "التدبير الإلهي البشري". 
     
تظهِر كل هذه الأمور المعنى العظيم والأهمية الكبرى لتجسد ابن الله وكلمته. من دونها يستحيل خلاص الإنسان وتجديد الخليقة. المسيح الإله-الإنسان، وهو ليس إنساناً فقط، هو مركز العالم والتاريخ. الجريمة الأكبر في زمننا هي أن الإنسان ينظر إلى نفسه على أنه مركز العالم. يمكن القول بثقة أن مجمل المجهود النسكي المسيحي موجّه نحو اكتساب نظرة للحياة يكون مركزها الإله-الإنسان وطرح النظرة الإنسانية المركز. ينبغي أن يكون الإله-الإنسان هو المركز وليس الإنسان.

-11- إن شهادة الآب بأن المعتمِد ليس إنساناً عادياً بل هو ابنه الوحيد تشير إلى ألوهية الكلمة ومساواته بالجوهر لأبيه. بحسب اللاهوت الأرثوذكسي، صوت الآب هو معاينة لله وإعلان وليس أمراً يُستَوعَب بالحواس. بالتأكيد، يشارك الجسد في معاينة لله لكن الحواس تتحوّل لكي تتمكن من رؤية مجد الله. حقيقة أن صوت الآب هو إعلان ورؤيا لله يمكن أن نراها من شهادة الآب المماثلة على جبل ثابور عندما سقط التلاميذ على الأرض لأنهم عجزوا عن احتمال بهاء الرؤيا. 
     
الابن الذي شهد له الآب يظهر على أنه "شعاع مجد الآب" لأن جوهر وقوة الإله الثالوثي مشتركة بين الثلاثة. في الرسالة إلى العبرانيين يستعمل الرسول بولس جملة للإشارة إلى ألوهية الكلمة: "الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ" (عبرانيين 3:1). كلمة "بهاء" تشير إلى اللمعان، الإشعاع الذي يأتي من جسم مشعّ. كون الجسد مخلوقاً فالبهاء مخلوق، وفي حالة المجد غير المخلوق يكون بهاؤه غير مخلوق. على الأكيد، عندما نقول أن الابن هو شعاع الآب (مجده) لا يعني أنه قوته لأن الكلمة هو أقنوم خاص، لكنه يشارك الآب في الألوهية وبالتالي يشتركان بالمجد والقوة، وهذا ما يصحّ أيضاً على الروح القدس. الأقانيم ثلاثة مشتركون بالطبيعة والجوهر والقوة والمجد. 
     
تُستَعمَل كلمة "البهاء" للإشارة إلى بعض الحقائق اللاهوتية، بحسب ما يذكر القديس ثيوفيلاكتوس. أولاً، لإظهار أنّه، كما أن الشمس تصدر اللمعان، أيضاً الابن يصدر عن الآب. ثانياً، لإظهار أن الابن ناتج من دون أي هوى للآب، كذلك مجد الشمس. ثالثاً، كما أن الشمس لا تنقص بلمعانها كذلك الآب لا ينقص بولادته الابن. رابعاً، كما أن المجد، أي شعاع الشمس، لا ينفصل عنها كذلك أيضاً الابن يشع أبدياً وأزلياً من الآب.

-12- الروح القدس شارك أيضاً في ظهور الإله الثالوثي عند نهر الأردن. الروح القدس هو الأقنوم الثالث في الثالوث القدوس، وهو ليس من مرتبة أدنى من الإثنين الآخرين كونه يشترك معهما في الجوهر. يوحنا المعمدان "رَأَى رُوحَ اللهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِيًا عَلَيْهِ" (متى 16:3). في لحظة نزول الروح القدس ومجيئه إلى المسيح سُمعَت شهادة الآب. 
     
هناك العديد من ظهورات الروح القدس. أحياناً يظهر كنسيم أو كرعد، أحياناً كلسان ناري. هناك يظهر "مثل حمامة". لم يكن حمامة بل بدا مثلها، أي اتّخذ شكلها. هذا يرتبط بحقيقة أن الروح القدس ليس مخلوقاً بل غير مخلوق، كمثل كل أقانيم الثالوث القدوس. يذكّرنا ظهور الروح القدس "كمثل حمامة" بفلك نوح. حين ظهرت اليابسة عادت الحمامة التي أرسلها نوح من الفلك ومعها غصن زيتون في فيها مخبرة عن انتهاء الفيضان. الروح القدس "مثل حمامة" عند اعتماد المسيح يشير إلى الخلاص من فيضان الخطيئة. لم يكن معه غصن زيتون في فيه بل أشار إلى زيت الرحمة الإلهية الذي هو المسيح الابن المحبوب للآب. 
     
بمعزل عن هذا، يشير ظهور الروح القدس "كمثل حمامة" إلى البريء والمتواضع. كما أنه يذكّرنا بأنّه، تماماً كما أن الحمام نظيف ولا يمكث حيث تكون الرائحة العفنة، كذلك هو الروح القدس طاهر جداً ولا يمكث حيث توجد رائحة الخطيئة العفنة. من الضروري التوقف عند نزول الروح القدس مثل حمامة وإتيانه فوق المسيح. هذا مرتبط بشدة بصوت الآب ويوحي بأنّ الصوت القائل "هذا ابني الحبيب الذي به سررت" لا يشير إلى يوحنا المعمدان بل إلى المسيح. يشير التزامن بين الإشارتين، الحمامة وصوت الآب، إلى الاشتراك بالجوهر بين أقانيم الثالوث القدوس، كما إلى التمايز بين يوحنا المعمدان والمسيح. إلى ذلك الحين كان الشعب يحترم يوحنا كثيراً، فيما لم يكن المسيح معروفاً. علامة الروح القدس ومعها صوت الآب يشيران إلى المسيح ابن الله المرسَل لخلاص الإنسان (القديس ثيوفيلاكتوس).

-13- لقد كان للسابق الشريف رؤية عظيمة. نجد في حياة القديسين خبرات لمعاينة مجد الثالوث القدوس بشخص يسوع المسيح. أُعطي يوحنا المعمدان أن يسمع صوت الآب، ويرى كلمة الله، ويعاين روح الله. لكن هذه المعاينة الإلهية لم تكن رؤية حسية. على الأكيد، يرى الإنسان أيضاً بعيني جسده، لكنهما تتحوّلان مسبقاً لكي تصيرا قادرتين على تحمّل رؤية الله. يظهر الإعلان الفائق الطبيعة وكشف الروح القدس من العبارات التي استعملها الإنجيليون في تقديم هذا الحدث. يقول الإنجيلي متى: "َإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ " (متى 16:3)، والإنجيلي مرقس: "رَأَى السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ" (مرقس 10:1). إذاً، السماوات انفتحت وانشقّت. ليس استعمال هذين الفعلين مصادفة بل هو للتعبير عن حقيقتين مختلفتين تتعلّقان بتجسّد ابن الله وبلطف الثالوث نحو الجنس البشري، بحسب ما نرى في تفسير القديس غريغوريوس بالاماس. 
     
انفتاح السماوات يعني أنّها قد أُغلقَت بعصيان آدم وخسر الإنسان شركته مع الله. الآن بطاعة المسيح الكاملة، وهو آدم الجديد، تنفتح السماوات مجدداً ويصير الإنسان قادراً على بلوغ الشركة مع الله. إذاً المسيح هو المؤسس الجديد للجنس البشري. نحن ننحدر من آدم بالجسد لكن روحياً نحن ننحدر من المسيح، آدم الجديد.

 Copyright © 2009-2019 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com