عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

* الـخمرُ في الـمسيحيّة
* الـخمرُ في الـمسيحيّة

Alcohol in CHRISTIANITY
عن كتبي

 "الخمر في المسيحية" 
 "قضايا إجتماعية"
 
الدكتور انطوان يعقوب
  
يتهم البعض الديانة المسيحيّة ، خطأ، بأنها تُبيح لأتباعها شُرب الخمر، بل واستعماله في طقوسها ، مُستدلين على وجودِ وانتشار الخمامير في الـمُجتمعات الغربية، وبعض العادات الخاطئة الـمُتبّعة في المُناسباتِ والإحتفالات بتقديم الخمور.

لكّننا نقول هُنا مُؤكدين أن المسيحية بريئة من هذا الإتهام المزعوم، لأنها لا تُجيز شُرب الخمور الـمُخمرة بأي حال من الأحوال ، بل تبيح استخدام الخمر المعروفة بعصير العنب الطازج الذي لم يُختمّر ولم يُضف اليه الكحول في طقوسها ، وهو الخمر الذي تكلّم عنه القديس بولس ناصحاً تلميذه تيموثاوس لاستعماله لعلاج إضطّرابات معدته ، وهذه هي أيضًا الخمر التي حوّلها الرّب يسوع في عُرسِ قانا الجليل وأمرّ بتقديمها للضيوف.
 على أية حال ، نقول ، بصفة إجمالية، ان الخمر الناتج عن التخمير البسيط لعصير العنب والذي لا تتّخلّله مواد كيماوية وكحولية ، حلال إذا كانت الكميّة المُستعملّة منه قليلة بحيث لا تُفقد شاربيها إتزانهم الذهني والبدني. فهذا النوع من الخمر الحلال شربَ منه أبونا إسحق إبن إبراهيم حين قدمه له إبنه يعقوب بعد الطعام (تك27: 25) وهو نفس الخمر الذي طلبت القديسة مريم العذراء من إبنها الإلهي أن يصنعه في عُرسِ قانا الجليل حتى لا يُحرّج أهل العُرس أمام المدعويين(يو2: 3-10) وكانت هذه أُولى مُعجزات السيّد المسيح (راجع كتابنا " مُعجزات السيّد المسيح") فلو كان هذا النوع من الخمرِ البسيط مُحرماً لاعترضَ الرّب يسوع على طلبِ أُمه ، ولأمر بمنعه فوراً ولرفضَ شفاعتها، بل لرأينا اليهود يقولون عنه "إنه أكول وشريب خمر"، كما استخدمَ الرّب يسوع في أمثالهِ الخمر فقال مثلاً: "ولا يضع الناس خمراً جيدة في زقاق عتيقة، وإلاَّ فإن الزقاق تتّشقّق . فالخمر تراق والرقاق تُتلّف ، وإنما تُوضع الخمر الجيدة في زقاقٍ جديدة فتكون كُلّها مصُونة"(متّى9: 17) فلو كان الخمر الناتج عن التخمير البسيط حرّاماً لمَ أستُخدِمَ في طقوسِ العبادة ، وأمامنا أول إشارة إلى الخمرِ مقرونة بطقوس العبادة ، أوردها سفر التكوين إلى ملكي صادق الذي كان كاهناً لله العلي، وقد خرجَ لإستقبال إبراهيم الخليل وباركه، يقول سفر التكوين" وأخرجَ ملكي صادق ملك سليم أو ساليم خُبزاً وخمراً لأنه كان كاهناً لله العلي"(تك14: 18) ومعنى هذا أن الخمر إرتبطَ بطقوس العبادة منذ البداية، وقبلَ استخدامه في طقوسِ العبادةِ الـمسيحيّة، كما أن الخمر إرتبطّت بأعمال الكهنوت. 
  هذا وقد إهتمَ العهد الجديد بهذه الواقعة التاريخيّة وبيّنَ الرابطة فيها بين العهدين القديم والجديد ، مُوّضحاً " أن ملكي صادق على مثالِ إبن الله ، ويبقى كاهناً إلى الأبد"(عبر7: 3) ، وفي رسالة مُعلمنا بولس للعبرانيين  الإصحاح السابع، شروحات وافيّة عن الروابطِ بين العهدين القديم والجديد ، فليرجع إليها من يشاء الـمزيد.
 وكهنوت السيّد المسيح قائم على تقديم جسّده ودّمه ذبيحة تحت أعراض الخُبز والخمر البسيط أو النبيذ النقي،  اللّذان يتحولان بعد الصّلاة واستدعاء الروح القدس ، إلى جسّدِ ودَم السيّد المسيح كبير كهنتنا، وهذا يعني أن ملكي صادق عندما كان يُقدّم الخُبز والخمر ذبيحة إنما كان يُشير إلى كهنوتِ السيّد المسيح في العهد الجديد.   
  ومن المعروف لدينا من قراءةِ  البشائر الأربعة أن السيّد المسيح قد مارسَ فصح العهد القديم، والذي فيه يشرب أربعة كؤوس من الخمرِ ، وهذا طقس من طقوسِ العبادة والتهليل( راجع: متّى26: 17-25ولو22: 7-16) وكان شُرب الكأس الأول يُسمى كأس المرارة ، والثاني يُسمى كأس الفرح، وكانوا يُرنمون المزامير من 112 إلى 118 بعد شُرب الكأس الثاني، والكأس الثالثة يُسمى كأس البركة  والرابعة كأس التهليل ، وقد مارسها جميعها السيّد المسيح مع تلاميذه، وسبّحَ بالمزامير على عادةِ اليهود ، إذ يقول القديس متّى: " ثُمَّ رتلوا التسابيح وبعد ذلك خرجوا إلى جبلِ الزيتون"(متى26: 30)
 إذا أضفنا إلى ذلك كلّه إستعمال السيّد المسيح في العشاءِ الرباني الخمر البسيط جاعلاً بها الرابطة الروحيّة بدمه الكريم ، وأعطى منها تلاميذه الأطهار بعد أن ذاقَ هو منها أولاً قائلاً:"إشربوا هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجلِ كثيرين لـمغفرة الخطايا"(متى26: 28) ، كما جاءَ ذلك في القُدّاس الإلهي للقديسيّن يوحنا الذهبيّ الفم وباسيليوس الكبير وبعد أن أعطاهم الكأس ليشربوا قال:" ولكني لن أشرب من نتاجِ الكرمة هذا،  حتى اليوم الذي فيه أشربه جديداً معكم في ملكوت أبي"(متّى26: 27-29) ولعل كاتب سفر الأمثال يُشير إلى سرِّ القربان حين قال:" الحكمة بنت بيتها ونحتّت أعمدتها السبعة وذبحت ذبحها ، ومزجت خمرها أيضًا، رتبت مائدتها، أرسلّت جواريها تُنادي على ظهور أعالي المدينة من هو جاهل فليس إلى هُنا والناقص الفهم. قالت له هلموا كلوا من طعامي ، واشربوا من الخمرِ التي مزجتها"( أم9: 1- 6) ،ويقول صاحب الـمزامير:" ترتب قُدامي مائدة تجاه مضايق مُسحت بالدهن رأسي وكأسي ربا"(مز23: 5)، ويقول آشعياء النبيّ: " أيُها العطاش جميعاً هلموا إلى المياه والذي ليس له فضة تعالوا إشتروا وكلوا . هلموا إشتروا بلا فضة وبلا ثمن خمراً ولبناً"(أش55: 1) .
   فلو كان هذا النوع من الخمرِ البسيط ، الناتج عن التخمير البسيط، حراماً لمَ دعى الروح القدس الناس لكي يشربوا منه، ولمّ نادى أشعياء النبيّ الناس ليشتروا خمراً ولبناً؟
   ثُمَّ لـماذا يتخّذ الوحي الإلهي موضوع الخمر وأوصافه في الإنباءِ عن مجيءِ المسيح ، فيقول في سفرِ التكوين" لايزول قضيب من يهوذا ومُشتّرع من بين رجليّه حتى يأتي شيلون ولك يكون خضوع الشعوب، رابطاً بالكرامة جحشه ، وبالجفنة إبن أناته . غسلَ بالخمر لباسه، وبدم العنب ثوبه ، مسود العينيّن من الخمر ومبيّض الأسنان من اللبن"(تك49: 10-12) .
  وصفوة القول،  أن الخمر البسيط، أو عصير العنب الصافي، كانت تُستخدم ، ولازالت، في طقوسِ العبادة في العهد القديم، لا في عيدِ الفصح فحسب، بل كانت تُسكّب مع الـمحرقة اليومية،  فيقول سفر الخروج:" وهذا ما نُقدمه على الـمذبح، خروفان حوليّان كل يوم دائماً الخروف الواحد نُقدمه صباحاً ، والخروف الثاني نُقدمه في العشيّة، وعُشر من دقيق ملتوت بربع الهين من زيتِ الرض وسكيب ريع الهين من الخمرِ للخروف الواحد"(خر29: 38-40).
 فالخمر تُستخدم في تقديم الباكورات الأُولى ويجب توافرها في الـهيكل لقيام طقوس العبادة  وهي لاتزال تُستخدم حتى يومنا هذا في إقامة الشعائر الدينية. ومعنى هذا أن الخمرَ البسيط شأنها كشأن القمح والشعير هامة للإنسان ، فهي بُناء على ذلك ليست حراماً ، ولاهي شراً في حدِ ذاتها ، بل هي من ضمنِ ثمار الأرض ونتاجها التي منحها الله للإنسان ، فهي إذن مُفيدة للإنسان ، فلو كانت مُحّرمة لمّ أجازها السيّد المسيح في شعائر العبادة ، ولمّ صنعَ مُعجزة تحويل الماء إلى خمرٍ في عُرسِ قانا الجليل، بل وشربَ منها ومعه أُمه وتلاميذه ، ولمّ حلّلها وجعلها في سرِ الشُكر والتناول ، ولمّ أمرَ تلاميذه أن يصنعوا مثلما صنعَ هو إلى أن يأتي في مجيئه الثاني(لو22: 19) .
* إستعمال عصير العنب أو الخمر البسيط في سرِّ الإفخارستيّا
 هُناك شروط كثيرة لاختيار نوع النبيذ أو عصير العنب الـمُستخدم في سرِ الإفخارستيّا منها:
 - ان الخمر التي تُستعمل في الكنائس والتي تتّحول إلى الدم الكريم يجب أن تكون مُستخلصة من عصيرِ العنب.
- يجب أن يُنّقى جيداً ، ويُخمّر لـمُدة بسيطة ، ثُمّ يُعصّر دون إستخدام النار أو إضافة أي مواد كيماوية غريبة . فهذا النبيذ الـمُستخرّج بهذه الطريقة هو الذي اعتبره الكتاب الـمُقدّس "بركة من بركاتِ الله للإنسان"(تث7: 13ومز104: 15وأش55: 1)، وهذا هو الخمر الذي صنعه السيّد المسيح في عُرسِ قانا الجليل ، وهو الذي ذكره القديس بولس لتلميذه تيموثاوس(1تيمو5: 23). لـهذا لاتُجيز الكنيسة إستعمال أية مادة أُخرى خلاف نبيذ العنب البسيط. 
   فقد جاءَ في قوانين الرسُل" يُقطّع أي كاهن يستعمل في سرِ الإفخارستيّا مشروباً غير النبيذ"(ق3)، ولا يُبّدل هذا النبيذ بنبيذ آخر مُسكر أو مُقطّر أو مطبوخ بالنار. 
 والواقع أن نبيذَ العنب البسيط هو أنسب مادة لدم السيّد المسيح، فمن ذلك النبات الوديع الذي ينحني مُقدماً لك عناقيده يكون دم المسيح، ولذلك نراه، له المجد، يُشّبه ذاته بالكرمة والمُؤمنين بالأغصان.والعنب يُمر بعدة مراحل قبل أن يتحوّل إلى نبيذ، كما قُلنا، يُعصّر، ويُداس، ويُنّقى وهذا ما حدث للسيّد المسيح، لقد عُصِرَ دمه على خشبةِ صليب الصلبوت، لترتوي أرواحنا ، كما تُعصّر حبات العنب في المعصرة. وكما أن النبيذ له طبيعة مُفرحة ومُعزية ، فكذلك دم السيّد المسيح فإنه مُفرحاً ومُقويًا للقلب والنفس. والنبيذ يُستعمل كمادة طبية ، هكذا يُستعمل دم السيّد المسيح في سرِ الإفخارستيّا لشفاءِ المرضى والتائبين. فليس في شُربِ عصير العنب أو الخمر البسيط المُستعمل في طقوسنا إذن تحريم أو خطأ، ولا هو خطيئة، فهذه تُسمى بالأباركة أي البكور، بشرط أن يُشرّب منها بمقدارٍ بسيط لا يجعل الشارب فاقد التوازن أو مُختل العقل أو سكران ، لأن ذلك يدخل في المُحرمات الكنسيّة، ذلك لأن الكثير منها أيضًا يُسكر، والنبيذ كالأكل إذا أكلنا أكثر ما نحتمله معدتنا يحدث لنا عُسر هضم، ويختل جسم الإنسان ، ويميل للكسل  وكذلك الأمر مع شارِب النبيذ البسيط فإنه يشعر بالخمول وعدم الإتزان ، كما يشعر بضعف في مفاصله ويفقد رعيّه وهذا بالطبع مُحرم كنسيًا. 
    فإذن لنتفق على أن النبيذ الناتج عن عصير العنب الصافي، والخالي من المواد الكيماوية والكحولية، والـمُخمّر تخميراً بسيطاً ، حلالاً إذا استُعمِلَ منها كمية بسيطة، وأمّا إذا تعدى ذلك فيدخل في الـمُحرمات، لأنها قد تُؤثر على إتزانه الذهني ، ولـهذا يقول يشوع إبن سيراخ "ان مُحب الخمر لا يستغني عن الـمزيد والإفراط من شُربها خصومة ونزاع ومرارة للنفس . الخمر والنساء تجعلان العُقلاء أهل ردةٍ (19: 1)  
 أمّا الـخمور الناتجة عن التقطير بعد التخمير ، حيث يُؤخذ بخاره أو ما يُسميه العارفون بروحه، ومنها إشتقت كلمة سبرتو أو كحول ، ولـهذا سُميت بالمشروبات الروحية الكحولية ، لأنها مأخوذة من روحِ أو بخار الخمر ، فهذه الخمور بأنواعها ، التي يُضاف إليها الـمواد الكيماوية الكحولية، بنسبة قد تصل إلى 50%  ولأنها تُطبّخ بالنار فتُعرف بالخمور الكحولية الـمُسكرة، فهذه مُحرمة تـماماً في الـمسيحية.
 والـمعروف أن الخمر الـمُقطّر شديد الـمفعول حتى لو استخدم منها القليل، فكم يكون مفعوله لو أُخِذَ منه الشيء الكثير الذي يُفقد العقل ، ويتّوه الشارب في متاهات لا نهاية لـها، ويُصبح لاحول له ولا قوة، وهذا النوع من الخمرِ يُحّضر من تقطير الكحول من الـمحلول الـمُخمّر، ثُمَّ يُخفّف هذا الكحول بالـماء ، ويُضاف إليه بعض الـمواد التي تُكسبه الطعم والرائحة والنوع الـمطلوب صنعه وشُربه، كالويسكي والعرق والبراندي والكونيال والروم والجن، وتزداد خوّاص هذه الأنواع بـمرور السنين عليها، وتُصبح خمراً عتيقة ، وهذا هو الخمر الـمُسكر ، والـمُدّمِر للصحة وللقوام البشري ، ولـهذا فإن الـمسيحية تنبذه وتُحرم استعماله، فهو أولاً مُضراً بأعضاء الجسم كالبنكرياس والمعدة والكليتيبن والكبد ، حتى قيلَ عن الخمر"الخورُ في الـمعدّة كالرملِ في العدّة" ذلك لأن الخمر يُضعف أعضاء الجسم ووجود الرمل في العدّة  تُعطّلها وتُتلفها ، وتقضي عليها. فشارب الخمر - الخمرُ الـمُقطّر - مُعرض للإلتهاب الرئوي ، وسُرعان ما ينقلب إلى سُلٍ فيُتلف جهازه التنفسي ، وبذلك تتّغير أحوال شارب الخمر ، فيتعرض للأمراض الـمُتتالية لضعف أجهزته، وينتقل من إلتهاب رئوي إلى سُلٍ الذي يقوده إلى النهاية الـمُؤلـمة وهي الـموت، أوالـموت بداء إدمان الخمر . 
   فقد دلّت الإحصائيات الطبيّة لحالات الوفاة لـمُدمني الخمور الـمُقطّرة ، أن النسبة الـمُرتفعة من حالات الوفاة لأولئك الأشخاص تحدث نتيجة لـمرض صدري عضّال ، إذ يُصاب السكير بالتسّمُم الكحولي الحاد ، وفي هذه الحالة يكون الـمفعول الكحولي قد وصلَ وأثرَ على الـمراكز العصبية الحيوية في الجسم، فيُعطِّل عملها، فتبدأ بحالة غيبوبة إلى حالة الموت الدماغي والوفاة السريعة، وذلك نتيجة شلّل الـمراكز العصبية للتنفس والدورة الدموية، بل وقد ثبتَ أيضًا بما لم يدع هُناك أدنى شك، أثر الخمور الـمُقطّرة على خلايا الـمُخ ، مما تُؤدي إلى خلّلٍ في عملِ الـمُخ، ويفقد عادة السكران الوعي الكامل، والإحساس واللامُبلاة ، ويصل إلى درجةٍ الـهلوسة، فيُصاب بفقدان الذاكرة السريعة ، وتدّهور القُوى العقلية وارتعاش اليدّين والرجليّن ، وإرتخاء في العضلات، والبلاهة وبلادة الشعور ، وموت الأحاسيس والعواطف 
بالإضافة إلى الإصاباتِ الحادة العديدة للحلق والبلعوم والحنجرة والعينين، وحاستيّ الشّم والتذّوق والجهاز البولي والتناسلي. 
 ومُجمل القول عن الخمورِ الـمُقطّرة التي تُحرمها الكنيسة تـماماً، أن أضرارها قوية على كل أجهزة جسم الإنسان وأعضائه ومفاصله ومُخه وقلبه وكبده ، ولذلك ينصح الأطباء دائـماً لـمرضى الصدر والقلب والكبد الإمتناع النهائي عن شُرب الـمشروبات الروحية أو الكحولية.
  وبـما أن الخمر تُتلف الجسّد ، والجسّد هو هيكّل الله، فإن كل من يعمل على إتلافِ جسّده يكون مُعرّضاً للـمُحاسبة الإلهية عن ذلك الجسّد الذي لم يحفظه كوديعة ، وفقاً لقول القديس بولس القائل:" أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم. إن كان أحد يُفسد هيكل الله، فسيُفسده الله، لأن هيكل الله مُقدّس الذي أنتم هو"(1كور3: 16-17) ، ويقول أيضًا:"لأنكم قد أُشتريتم بثمن، فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي الله"(1كور6: 20).
 فشارب الخمر الذي يفقد وعيّه وأحاسيسه الآدامية ، يُعّرِض نفسه ومن حوله إلى الضرر، فنسمع كيف أن لوط سقطَ في خطيئة الزنا بسبب سُكره" فشربَ لوط حتى سكرَ فأخطأ مع إبنتيّه فحبلتا وأنجبتا ولدان هُما موآب وبن عمن"(تك19: 33-36) ، فلو كان لوطاً واعيّاً مُدركاً مُتحكماً في أفعاله ،لمّ عرضَ إبنتيّه للحبل السفاحي وأنجبهما؟ إذن لوط لم يضر بنفسه وجسمه وصحته فقط، بل أوقعَ الضرر أيضًا على إبنتيّه. 
 كذلك الأمر مع نوح الذي سقطَ تحت تأثير الخمر يقول الكتاب: "شربَ نوح من الخمرِ فسكرَ وتعرى داخل خبائه"(تك9: 21-24) فلو كان مُدركاً مُتحكماً بأفعاله لمّ فعل ذلك؟ 
  ليس إذن الخطأ من وجود الخمر فقط، بل وأيضًا من الكمية المشروبة منه، بحيث يفقد الشارب وعيّه وإدراكه تماماً، ولهذا يُعاقب سفر الأمثال مُدمنيّ الخمر الـمُقطّر بقوله:
"لـمن الويل؟ لمن الشقاء؟ لمن المُخاصامات؟ لمن الكرب؟ لمن الجروج بلا سبب؟ لمن إزمهرار العينين للذين يُدمنون الخمر، الذين يدخلون في طلب المشروب الممزوج، لا تنظر إلى الخمرِ إذا أحمرت حين تُظهر حبابها في الكأس، إنها تلسّع كالحيّة وتلدّع كالأفعوان. عيناك تنظران الأجنبيات، وقلبك ينطق بأمور ملتوية، وتكون كمضطجع في قلبِ البحر أو كمُضطجع على رأسِ سارية . يقول الشارب ضربوني ولم أتوّجع، لقد لكاوني ولم أعرف مت أستيقظ، أعود أطلبها بعد"( أم23: 29-35).
   وعليه يقول القديس بولس مُحذراً "لا تسكروا من الخمر"(أف5: 18)، ويقول أيضًا" لتسلُك بلياقة كما في النهار لا بالبطر والسُكر"(رو12: 13)، ونراهُ يُحّذر الأساقفة من شُربِ الخمر قائلاً:" أن يكون الأسقف بلا لوم غير مُدمن الخمر"(1تيمو2:2-3) ، وأيضًا" ليكُن الشمامسة غير مولعين بالإكثار من الخمر"(1تيمو2: 1-8)، كما يُحّذر  الشيوخ قائلاً:" وأن تكون العجائز كذلك في سيرة تليق بالقدّاسة غير مُستعبدات للإكثار من الخمر"(تي3: 2)، ولذلك وتفاديًا من إدمان الخمر، نهى الله الكاهن عن شُربِ الخمر قُبيل دخوله إلى بيتِ الله، وخصوصًا الـهيكل إذ قال:" وكلّمَ الرب هرون قائلاً:لاتشرب خمراً ولا مُسكراً أنتَ ولا بنوك معك عند دخولكم إلى خيمةِ الإجتماع لئلا تموتوا فرضاً جبريًا على ممرِ أجيالكم"(لا10: 8-9)، وقال الرب على فمِّ حزقيّال النبيّ "ولايشرب كاهن خمراً عند دخوله إلى الدارِ الداخلية"(حز44: 21) فهُنا نجد فوارق بين نوعيّ الخمر التي جاءَ على ذكرهما الكتاب الـمُقدّس:
- الخمرُ الأول البسيط، أو عصير العنب الخالص ، ليس حراماً، بل قد يكون شرابًا صحيًا مُفيداً للصحة والقوّة وإلـماع الوجه(مز102: 15) لكننا إذا استعملناه بكثرة أيضًا يكون حراماً.
- الخمر الناتج عن التقطير بعد التخمير يُعتبر حراماً يُحّرمه الكتاب الـمُقدّس ويُنهي عنه ، بل وينهال بالويلات والتهديدات وعظائم الأمور على شاربيها. يقول آشعياء النبي:" ويل للقائمين من الغداةِ في طلبِ الـمُسكر الـمُستمرين إلى العتمةِ تلهيهم الخمر، وصارَ العود والرباب والدف والناي والخمر ولائعهم، وإلى فعلِ الرب لا ينظرون وعمل يدّيه لايرون"(أش5: 11-12) ويقول أيضًا"ويلٌ للأبطال على شُربِ الخمر ولذوي القُدرة على مزجِ الـمُسكر"(أش5: 22) ، ويقول سفر الأمثال" الخمر مُستهزئة الـمُسكر عجاج ومن يترّنح بهما فليس بحكيم"(أم20: 1) ، ويقول أيضًا" لاتكُن بين شريبيّ الخمر بين الـمُلتفين أجسادهم، لأن السكير والـمُسرف يفتقران والنوم يكسو الخرق"(أم23: 20)،" فالسُكر يُهّيج غضب الجاهل لـمصرعه ويُقلِّل القُوّة ويُكثر الجراح"(إبن سيراخ31: 40).
  كما جاءَ في كتاب تعاليم الرسُّل في مُقدمة نصائحه للمُؤمنين"لاتسكر بالخمر ولا الأسقف يذوق خمراً"(ب23: 27) هذا وقد نبّه الله الـملوك ونهاهم عن شُربِ الخمور لا لعلّة إلاّ لئلا تظلم عقولهم وقلوبهم، فجاءَ في سفر الأمثال"ليس للملوك أن يشربوا خمراً ولا للعظماء أن يشربوا الـمُسكر لئلا يشربوا فينسوا الشريعة ويُغّيروا حُجة كل بني الـمّذلّة"(أم21: 4-5)، وجاءَ أيضًا في سفرِ العدد: " إذا إنفرزَ رجل وإمرأة لينذر نذر النذير للرب، فعن الخمر والـمُسكر يُفرز ولايشرب خل الخمر ولا خل الـمُسكر"(عد6: 1-4) ، وقال الـملاك عن يوحنا السابق، الـمعمدان، - عندما بشّرَ به : " خمراً ومُسكراً لايشرب"(لو1: 15) . 
  هذا وقد أبان الوحي الإلهي في أسفارِ العهد الجديد حرمان السكران من دخول ملكوت السموات، وفقاً لقول القديس بولس القائل :" لا زُناة ولا سكيرون يرثون ملكوت الله"(1كور6: 10)، كما أوصى بفرزهم من الكنيسة، ونبّهَ إلى عدمِ مُخالطتهم ومُؤاكلتهم بقوله" إن كان أخاً زانيًا أو سكيراً..لأن لاتُخالطوا ولا تُواكلوا مثل هذا"(1كور5: 11).
 ان الديانة الـمسيحيَّة تُحرِّم شُرب الـخمور الكحولية الـمُسكرة تـماماً لأنها:
 - تُفقد الشارب إنسانيته وكرامته.
 - تُفقد الشارب وعيّه وإدراكه وأعصابه.
 - تقود الشارب إلى الويل والشقاء والـهلاك.
 - تُتلف صحة الشارب ، وتُضعف عمل أجهزته، وتُعّرضه للأمراض الخطيرة فتودي بحياته.
 - تجعل الشارب غير قادر على الحُكمِ على الأمور بأمانة.
 - تُبعد الشارب عن الله ، فيُمنع من دخول ملكوت الله.
لذلك كلّه يُهدد الكتاب الـمُقدّس شارب الخمور الـمُقطّرة الـمُضاف إليها مواد كيماوية وكحول بالحرمان من ملكوت الله ، ولا مجال للشك من أن القديس بولس نفسه ، يُهددهم بالفرز في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس ، كما هدّدهم آشعياء النبيّ ، وصاحب سفر الأمثال والعدد ، ويشوع بن سيراخ ، كما هددهم جميع الرسُّل ، وحُرِمَ عليهم التناول من القرابين الـمُقدّسة ، لأن السكير أو السكران يكون عاجزاً عن التمييز بين الصح والخطأ ، والحلال والحرام.
 أمّا وقد حددّنا أنه لايجوز للإكليروس بصفة عامة، شُرب الخمر قُبيل دخولهم إلى الـهيكّلِ والكنيسة ، فيكون الأمر قد نُفِذَ أيضًا على عوامِ الـمُؤمنين، أي أنه لايجوز للعلماني التناول من الأسرّار الإلهيّة إذا كان سكراناً. – وأدعو الإكليروس برفض مُناولة السكران لأنه لا يُميز جسّد الرّب ودمه الأقدّسين-
 إذن فشُرب الخمور الـمُقطّرة أو الكحولية الـمُسكرة أو حتى البسيطة بكمية كبيرة خطيئة في الـمسيحية تستحق العقاب (تث21: 18-21) ومرجع ذلك أن جسّدَ السكير لم يعُد جسّداً يصلح لأن يكون هيكلاً لله كأجساد الـمُؤمنين التي قال عنها الكتاب الـمُقدّس" أنتُم هياكل الله وروح الله ساكن فيكُم" لقد تحّول جسد السكير إلى أرضٍ خربة وليس مسكناً لروح الله "لأنه ان كان أحد يُفسد هيكل الله فسيفسُده الله"(1كور3: 17) . وعليه نقول ما قاله حبقوق النبيّ:" الويل لـمن يسقي صاحبه مُسكراً"(حب2: 15) ، وهكذا يقول" لو حكمنا على أنفسنا لـمّ حُكِمَ علينا"(1كور11: 21) ، وها نحن نُردِّد قول مُعلمنا بولس في نهاية حديثنا عن الخمرِ في الـمسيحيّة، لندحض ما يُقال بأن الـمسيحية تبيح وتُجيز شُرب الخمر" ان كان أحد مدعو أخاً زانيًا أو طماعاً أو شتّاماً أو سكيراً أو خاطفًا أن لا تُخالطوا ولا تُؤاكلوا مثل هذا، فأعزلوا الخبيث من بينكم"(1كور5: 11-12).  
 فاحذر يا أخي الـمسيحي من الخمر الـمُسكر الذي يُبعدك عن الله، ويحرمك من ملكوته. توبوا وعودوا فإن ملكوت الله قد اقتربَ.
 ورغم ما قُلناه عن رأي الـمسيحية في الخمر، يقولون"أليس في تحويل السيّد الـمسيح الـماء إلى خمرٍ في عُرس قانا الجليل، دليل على إباحة شُربه في المسيحية؟
 الرّد بالطبع لا ، وذلك كما قُلنا أن السيّد الـمسيح قد صنعَ مُعجزة تحويل الـماء إلى خمرٍ جيدة بسيطة أو عصير العنب غير مُخمّر، لا لتأييد شُرب الخمر، بل لأسباب أُخرى كثيرة، منها لعدم إحراج أهل العريس ، ومنها إستجابة لطلب والدته ، ومنها إثبات قُدرته الإعجازية الإلـهية، كما أنه حين صنعها ، له الـمجد، كانت من النوع البسيط جداً ، إذلم يضف إلى الـماء مواد كيماوية أو كحولية، كما لم تكن بالطبع مُخمرة ولا مُقطّرة ، حتى استطاعَ شاربيها أن يُمّيزوا بينها وبين الخمر الأُولى التي كانوا يشربونها ، فلو أنه ، له الـمجد، قد صنعَ خمراً مُقطّراً أو مُسكراً لناقض تعاليمه التي قال فيها" لاسكيرون يرثون السموات"، ولو كانت من النوع الـمُسكر لوبّخه اليهود عليها أثناء مُحاكمتهم له ، ولتحّول العُرس إلى ميدان للعراكِ ، لأن الكمية الـمُحوّلة وصلّت إلى حوالي 92000 لتراً من الخمر، لكن أهل العُرس أنفسهم شهدوا لـهذه الخمر الجيدة، ولم يتفّوه أحد الضيوف بكلمة تدُل على سُكره. ومن جهة أُخرى فقد أثبتَ السيّد الـمسيح في مُعجزته هذه أُلوهيته وقُدرته الإعجازية(راجع كتابنا"مُعجزات السيّد المسيح") فأمنَ به تلاميذه.
 ثُمَّ لقد كان لـهذه الـمُعجزة إشارات روحيّة في الـمسيحيّة. فالسيّد الـمسيح حوّلَ الـماء إلى خمرٍ، والـماء أحد رموز الروح القدس ، فكأن السيّد المسيح، يُؤّسِّس سرّ الزواج على أساسٍ مسيحي بحضوره وسط العروسيّن، وكانت الخمر الـمُحولّة إشارة ورمز إلى دمه الكريم الذي كان مُزمعاً أن يُقدمه على خشبةِ صليب الصلبوت، والذي سيُقدّم على الـمذبح بإستمرار. 
 ومما سبقَ يتضح لنا، أن القول بأن السيّد الـمسيح حولّ الـماء إلى خمر دليل على إباحة شُرب الخمر في المسيحية غير صحيح تماماً، وكأننا نقول أن الله، سبحانه وتعالى، خلقَ شجر الكروم لتحويل الناس إلى سكارى! أو كأن نقول أن الله ، جلّ جلاله، خلقَ النار ليُشّجع الناس على الإحتراق بها! فحاشا لله أن يفعل ذلك بالطبع، وهكذا أيضًا الأمر بالنسبة لشجر الكروم أو شُرب عصيره.
* دور رجل الدين الإرشادي
 لرجل الدين مكانة إجتماعية خاصة في العالم كلّه، إذ يكن له الجميع الإحترام ، وحُب الإصغاء لنصائحه وتوجيهاته، والعمل على تنفيذها والسيّر على نهجهِ للفوز بحياة الآخرة. لذلك ينبغي على رجلِ الدين أن يقوم بدوره التأثيري بالتعاون مع سائرِ كدرات الـمُجتمع ، بالوعظ والإرشاد لحث المُدمنين للإقلاع عن هذهِ العادة السيئة ، وتوضيح مخاطر تعاطي الخمور الـمُخمرة والـمُقطّرة الـمُسكرة على الإنسان إجتماعيًا ودينيًا، جسّدياً وروحيًا. لكنّنا ننّصح بضرورة إخضاع رجل الدين الذي سيتولى هذه الـمُهمة لدراسة علم الإجتماع وعلم النفس حتى يستطيع أن يتفّهم عقول ونفوس الناس فيسير بهم إلى ميناء الآمان. ولايفوتنا أن نقول أيضًا  ما لتأثير عظة الوعاظ الـمنهجيّة في هذا الـمجال على عقولِ وقلوب السامعين ، فيحملوا الـمُدمنين على توبيخ أنفسهم والإقلاع عن هذه العادة السيئة، وعلى الهيئات الإجتماعية إقامة دورات تدريبية لـمُكافحة هذا الداء الخطير واقتلاعه من الـمُجتمع.
 هذا وأدعوا رجال الإكليروس بمنع تقديم الخمور في الحفلاتِ التي يُقيمونها لجمع الأموال، لأنهم بذلك يُبيحون للناس حقّ شُرب الخمور.
أمّا رجال الدين الذين يتفاخرون بشرب الخمور وضرب الكؤوس وقد رأيتهم بنفسي، فأنا لا ألومهم بل ألوم الأساقفة الذين لايُرشدون ويُعاقبون أمثال هؤلاء.ففاقد الشيء لا يُعطيه، فكيف سيكون قُدوة لأتباعه، ?وكيف ينصحهم للإقلاع عن شُربِ الخمور وهو نفسه يستعملها ويشربها علّنًا وأمام الناس في شتى المُناسبات؟ سؤال أوّجهه للأساقفة كونوا قدوة لصغار النفوس حتى يخلّصوا. وكما. يقال. ان بليتم فاستتروا . من له أُذنان للسماعِ فليسمع. لإلهنا السُبح والمجد إلى الآبد آمين.

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com