عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E نجمه في المشرق

الحضارة والاستنارة في

الحضارة والاستنارة في ظلّ الكنيسة في العصور الوسطى

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

الحاجة إلى التّدقيق في التّاريخ

معظم مناهجنا التّعليميّة للتّاريخ في الشّرق الأوسط تعود إلى الانتداب البريطانيّ الأنكليكانيّ، وكُتبت في جوّ من العداوة للكنيسة الكاثوليكيّة، وفي حقبة ما كان فيها التّقارب المسكونيّ والمودّة والاحترام الّتي نشهدها اليوم، بين الكثلكة والطّوائف البروتسنتيّة الأساسيّة، ذات المرجعيّات أي إخواننا الأنكليكان ("الأسقفيّين") واللوثريّين. فنحن في تخلّف مقداره مئة سنة. وبالفعل، هنالك دراسات حديثة جدّيّة من كتّاب بروتستنت وملحدين، برّأوا ساحة الكنيسة الكاثوليكيّة من كثير من التّبلّي والمبالغة والتّشويه، مع اعترافهم بالسّلبيّات الّتي لا تنكرها الكنيسة نفسها. لذا، ينعم المرء، من هذا المنبر الأغرّ، بفرصة ذهبيّة لإحقاق الحقّ دومًا في المحبّة.

أخدعة أم وهم؟ "الكنيسة" في العصور الوسطى تعني الكنيسة الكاثوليكيّة الغربيّة!

صحيح أنّ الأغلبيّة السّاحقة من الكاثوليك غربيّون، في الطّقس اللاّتينيّ. ولكن، عندما يكون أحد البشر مغرضًا، بسهولة تختلط عليه الأمور، أو يتعمّد أن يُغفل بعضها أي ما لا يناسبه. وهذا نقيض النّزاهة العلميّة والتّاريخيّة والأدبيّة والأخلاقيّة. نعم، منذ قرن من الزّمان، "دخل عقولنا كأمر بديهيّ" أنّ "الكنيسة" تعني "الغرب"، وتعني الكثلكة الغربيّة ذات الطّقس الرّومانيّ. ولا يخطر على بال أحد أنّ الكنيسة هي أوّلاً الشّرق، وبالذّات فلسطين والأردنّ وسورية ولبنان والعراق مصر...، وأنّ لها تاريخًا طويلاً عريقًا أصيلاً مشّرفًا في العصور الوسطى، وقد "أغناها الله في كلّ مجالات الكلام والمعرفة" والفضيلة والشّهادة، وأنّ لها باعًا طويلاً في التّعايش مع المسلمين مواطنينا. كلّ هذا يغفل عنه مؤرّخونا أو يتغافلون. لذلك تقترح الهيئة الكاثوليكيّة والمسكونيّة للتّعليم المسيحيّ في الشّرق الأوسط تدريس هذا التّاريخ لكلّ طلاّبنا، لأنّ فيه جذورنا ليس فقط المسيحيّة المشتركة بل أيضًا المشتركة بيننا كمسلمين ومسيحيّين.

عودة إلى الكنيسة الغربيّة : تاريخ حافل بالشّهداء والعباقرة وجحافل الصّالحين بناة الحضارة

"تقفز" كتب التّاريخ الأكاديميّ إلى "العصور الوسطى"، وبالتّحديد إلى أواخر العصر الوسيط الذي بدأ في القرن الخامس الميلادي. ولكنّ الكنيسة ما نشأت سنة 476! بل سنة 30 م، ليس فقط في القدس زهرة المدائن (أعمال الرّسل 2 : 1 وتابع) بل في قيصرية (أعمال 10) وآسيا الصّغرى (أعمال 16) وبلاد اليونان (أعمال 18) ورومة وسائر أعمال إيطاليا، ولاحقًا "غاليا" أي فرنسا عن طريق القدّيس إيريناوس (من مواليد إزمير) تلميذ مار بوليكاربوس الذي كان بدوره تلميذ يوحنا الحبيب، والبلاد السّكسونيّة والجرمانيّة، إذ بشّر  إنكلترا الرّاهب البندكتانيّ الرّومانيّ الإيطاليّ، أغسطينوس أو أوستينوس، مع أربعين من زملائه، تلبية لطلب البابا غريغوريوس الأول  الكبير ، وتوفّي أغسطينوس بعد أن أصبح أوّل أسقف على كنتربوري في مقاطعة كنت. وأتت وفاته سنة 608. ويجب تمييزه عن القدّيس العبقري أوغسطينوس من "هيبونة" في شمال أفريقيا، المفكّر العملاق وكاتب "الاعترافات" و "مدينة الله" و"تفسير المزامير" وغيرها من "روائع" الأدب الرّوحانيّ والإنسانيّ. وهو أيضًا ابن العصور الوسطى.

"دماء الشّهداء بذار المسيحيين": تمّت كلمات "ترتليانوس" هذه في كنيسة الغرب التي سالت دماء شهدائها الزكيّة وقد سفكتها "بابل" أي روما الوثنيّة، فاغتالت أوّل اثنين وثلاثين بابا أي حبرًا أعظم رومانيًّا، ورافقهم في طريق الشّهادة الآلاف المؤلّفة من الرّجال والنّساء والأطفال الّذين لا يقعون تحت حصر.

القدّيس مبارك من سبياكو (إيطاليا): بنعمة الله منقذ الحضارة من البرابرة

قضى هؤلاء على الإمبراطوريّة الرّومانيّة ودمّروا الأخضر واليابس. وأرادت العناية الإلهيّة ألاّ يدخلوا الأديرة والصّوامع التي "يُذكر فيها اسم الله كثيرًا" (حسب اقتباس غير دقيق لنصّ قرآنيّ). وما طمع البرابرة لجهلهم باقتناء مخطوطات ولا كتابات. فبقيت محفوظة في الأديرة لدى نسّاك القدّيس مبارك الّذي يعدّه التّاريخ النّزيه "أبا أوروبا". وكما يلحظ المنسنيور لويجي نيغري في كتابه "اتّهامات باطلة تستهدف الكنيسة" (ص 31 وتابع)، استطاع الرّاهب القدّيس الألمعيّ أن يجمع بين جدران الأديرة، في محبّة وعيش مشترك وفقر اختياريّ وطاعة طوعيّة، رجالاً كانوا سيتقاتلون ويقتتلون في الخارج. وهكذا تمّت معجزة حفظ الله للأديرة، وحفظ الأديرة لقيم الإيمان والمحبّة وسط ضياع شامل، وحفظ الأديرة للمخطوطات كافّة في كلّ الميادين، أي مخطوطات الكتاب المقدّس والحياة الدّينيّة والفلسفة وللاهوت والآداب والفنون والعلوم والطّب وعلم الفلك وما إلى ذلك.

 

 

تقديس العمل عن طريق الرّهبنات والحياة النّسكيّة

لا يجوز لنا أن ننسب إلى "الكنيسة" أكثر ممّا تستحقّ، لا في هذا المجال ولا غيره، كما لا يجوز أن نقدح بها بذريعة أمور لم تحصل أو شُوّهت. والحقّ أنّ الفضل الأوّل في تقديس العمل يعود إلى الكتاب المقدّس الّذي بعد أن قدّم "عرق الجبين" عقابًا على الخطيئة، رأى فيه للإنسان مورد رزق، كما ورد في المزمور 104 : "يخرج الإنسان إلى عمله، وإلى تعبه حتّى المساء". ثمّ شرّف القدّيس يوسف النّجّار العمل وزاده المسيح النّجّار تشريفًا (عن مرقس 6 : 3).

أمّا مار مبارك ونسّاكه (إلى أيّامنا) فقد اشتغلوا بكدّ أيديهم، وشعارهم: "صلِّ الفرض وانقر الأرض". ورويدًا رويدًا أنشأوا المدارس حول أديرتهم. ثمّ نشأت جمعيّات تعاونيّة صغيرة، بقطع أرض كبيرة مهجورة (كان البرابرة  قد عاثوا فيها فسادًا) فاستثمرتها الأديرة ، فعملت فيها العائلات واعتاشت منها.  بهذه الطّريقة البسيطة، نشأت مدن وقرى كثيرة تحمل اسماء قدّيسين (وعددها نحو خمسة آلاف اليوم في فرنسا وحدها). ولا عجب، فمنشؤوها كانوا رهبانًا لا يريدون لأنفسهم من متاع الدّنيا شيئًا. وسرعان ما ازدهرت مع الزّراعة علوم الطّبّ بالأعشاب والنّباتات، وكانت الأديرة مصدرها ومعقلها وينبوعها الصّافي الخالي من المصالح المادّيّة.

وهكذا، بخلاف الانطباع الشّعبيّ، ما كان "النّساك" بشرًا غريبي الأطوار، هاربين من "دنيا النّاس"، بل عاشوا مثل الشّعب ومعه وله. وهذا حالهم إلى اليوم.

إنشاء المستشفيات والمدارس والجامعات

أتت العيادات الرّهبانيّة والأسقفيّة نتيجة طبيعيّة لإلمام النّسّاك والقسس بشكل عامّ بعلوم الطّبّ. وأرادوا بعون الله تعميم الفائدة وتوفير الشّفاء بقوّته تعالى. وكان شارلمان الإمبراطور، بالتّعاون مع الكنيسة، قد أنشأ أوّل مدارس. وإن بقي بعضها مقصورًا على أبناء الأثرياء، فقد فتح أبوابها رحبة للفقراء القدّيس الفرنسيّ يوحنا المعمدان ده لا سال (وهو أيضًا ابن العصور الوسطى ومؤسس رهبنة "الإخوة الفرير"). وبادرت الكنيسة الكاثوليكيّة إلى تأسيس أوّل جامعات في أوروبا، منها جامعة باريس، في أواخر القرن الثّاني عشر، وكان اختصاصها اللاهوت والفلسفة. "وقد أصبحت هذه مثالاً لستّ عشرة جامعة أخرى أُسّست في أوروبا: منها جامعة مونبيلييه في فرنسا، واختصاصها الطّبّ، وفي إيطاليا جامعة "بولونيا" للحقوق (ونزيد: من المؤسف أنّ في هذه المدينة الإيطاليّة اتّجاهات إلحاد ومعاداة للكنيسة يكلّلها الجهل أو نكران الجميل!)، وجامعة "سالرنو" (في جنوب إيطاليا) للطّبّ. وفي تلقين الطّبّ، بعض مصادرهم كان أطبّاء مسلمون مشهورون مثل الرّازي وابن سينا.  وفي انكلترا جامعتا أكسفورد (وللآباء الفرنسيسكان عليها فضل كبير) وكمبريدج"... (من كتاب "بعض القضايا في تاريخ الكنيسة" للمنسنيور الرّاحل جورج سابا شطارة، ص 58 – 61).

خاتمة

يكتفي المرء هنا بهذا القدر، وللحديث صلة، بإذن الله. وما أوردنا إلاّ نقطة من بحر  هي غيض من فيض. ولكنّها كافية ليكتشف القارىء الكريم  ما يفوت أجيالنا الصّاعدة التي تجهل معظم الأمور المتعلّقة بالكنيسة في الشّرق (مع أنّها بلادنا) وفي الغرب. ولا يستقيم علم بلا نزاهة وسعة اطّلاع، ولا تضرّ المعرفة أهل المروءة والمكارم! ويزيد التّفاهم بزوال سوء الفهم، وتقضي شعلة المحبّة على ظلمة الجفاء وجليد العداء !

 

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com