عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

عزارة عازاري[1] وإرهاب "راهب"

عزارة عازاري[1] وإرهاب "راهب"

(بقلم الأب د.د. بيتر مدروس)[2]

(الجزء الأوّل- أفكار عامّة)

قال الرّبّ الإله للحيّة: "سأجعل عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، وهو يسحق رأسك" (تكوين 3: 15).

قال الرّبّ يسوع: "الويل لمن تقع على يده  العثرات" (متّى 18: 7)

قالت السّيّدة العذراء: "ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال" (لوقا 1: 48)

مقدّمة

قصد الدّاعي، وهو كاهن كاثوليكيّ فلسطينيّ أرمنيّ متخصّص في الكتاب المقدّس، ألاّ يقرأ ولا يسمع شيئًا من ردود كهنة وعلمانيّين أفاضل على مواقف من الرّاهب رمزي جريج، وذلك لعدم التّأثّر بها ولا نقلها، وللمحافظة على الاستقلاليّة والأصالة. ولا داعي هنا لردّ فعل عاطفيّ ولا لأيّ تطرّق إلى شخصيّة الرّاهب العازاريّ المذكور، مع الاحترام لكهنوته (الذي نأمل أنّه لا ينكره)وكثرة العواطف وشديد الاستياء. ويكفي عنواننا هنا، وقد كُتب بالدّموع، لقراءة المكتوب.

يجب المرور توًّا إلى "دفاع الرّجاء" (عن 1 بطرس 3: 15) وإلى العقل السّليم والحسّ القويم  في "عبادتنا العقليّة" للرّبّ (رومية 12: 1)، منطلقين من الوصيّة الرّابعة البديهيّة التي أتمّها يسوع الطّفل والفتى بأكمل وجه: "أكرم أباك وأمّك": "وكان خاضعًا لهما" أي للعذراء مريم ولمار يوسف (لوقا 2: 51).

 

إمّا إيجاد "مشاكل" حول السيّدة العذراء أو "أخطار"، أو توهّمها![3]

ذرّة من العقل السّليم، حتّى من غير إيمان مسيحيّ (ولا إسلاميّ) بوالدة المسيح، تلخّص قيمتها ووجاهتها وجمالها وسناءها الإنسانيّ بكلمة يعرفها كلّ طفل محظوظ: "الماما". السّيّدة العذراء أمّ يسوع. وكفى! لا فذلكات ولا فلسفات ولا لفّ ولا دوران. قيمتها قيمة البتول وقيمة الوالدة، كما نرتّل بتأثّر ليلة الميلاد، في الطّقس اللاّتينيّ، بضع أمتار من مغارة المولد السّيّدي المجيد:

          "ولدت الوالدة المليك، أزليّالاسم أبديّ الوجود، ناعمة  بأفراح الأمومة، رافلة بشرف البتوليّة، لا ، ما كانت لها من شبيهة، ولن تكون".

 وكان للدّاعي الشّرف أن يزيد على كلمات القدّيسة تريزيا للطفل يسوع "أحبّك ربّي يسوع" العبارات التّالية:

" أحبّك يا أمّ الرّبّ (3 مرّات) مستودع الحياه!

  خادمة وسيّدة، بتولة ووالدة، وديعة وماجدة[4]،

                                      محبوبة الإله"

ولا يخفى على عارفي الألسنة الأصليّة من فرعونيّة وكنعانيّة وعبريّة أنّ اسم "مريم" مصريّ قديم يعني "محبوبة الإله" وأنّ الأصل الكنعاني والجذر "ريم" يعني "الرّفعة".

أمّا التوهّم أو التّخيّل أو التّصوّر أنّ الكنيسة تؤلّه العذراء، عليها السّلام ومنها (عن لوقا 1: 26 وتابع، وميخا 5: 5)، فهذا ظُلم وتبلٍّ وادّعاء. وقانون الإيمان واضح: "نؤمن بإله واحد... آب وابن وروح قدس". وحتّى في القرآن،  ينكر "عيسى" أنّه قال يومًا للنّاس "اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله" (سورة المائدة 5، 116).

 

 

1-             طريقة كلام جريج عن السّيّدة البتول مريم غير مقبولة

نحن الشّرقيّين أصحاب قيمة ونعطي الشّخصيّات المقدّسة ألقابها ونقدرها، بنعمة الله، حقّ قدرها. على الأقلّ في إحدى الحلقات على سات 7 للرّاهب جريج ما سمعتُ قَطّ عبارة "عليها السّلام" ولا "سيّدتنا مريم العذراء" بل "العذراء" و"مريم"، مع أنّ لا غبار على العبارات "عليها السّلام" "منها السّلام" "سيّدتنا مريم العذراء": وكلّها بيبليّة صميمة أصيلة يجب أن يقبلها حتّى المتنكّرون للكنيسة وللتّقليد الشّريف. "عليها السّلام" قالها المَلَك جبرائيل، "منها السّلام" لأنّ "السّلام" هو المسيح الذي تلده في بيت لحم إفراثا "الوالدة"  (ميخا5: 1-5)، "سيّدتنا": نعم، وماذا ستكون والدة ربّنا وسيّدنا، إن لم تكن سيّدتنا،  لا إلهتنا؟ هو، له المجد،  ربّ سيّد "بكلّ ملء لاهوته الّذي، عن طريق مريم العذراء، "حلّ حلولاً جسديًّا" (عن قولسّي 2: 9)، وهي "سيّدة" بصفتها أمّ السّيّد الرّبّ الإنسانيّة. هو ملك إلهيّ، وهي ملكة سلطانة إنسانيّة.

2-             التّنكّر للطّبيعة الإنسانيّة عند المسيح

لخّص لنا رسول الأمم في الآية السّابقة من قولسّي وفي غلاطية 4: 4 أنّ المسيح إله حقّ وإنسان حقّ وأنّه كلمة الله المتجسّد (يوحنا 1: 1 و 14 أيضًا) "ابن الله" أي كلمته المولود في الزّمان من امرأة. موقف جريج شبه حذف لطبيعة المسيح البشريّة وكأنّ الإلهيّة أكلتها أو شوّهتها (رأي للوثير في أحد مخطوطاته تفسيرًا لقولسّي 2: 9)، بحيث ما عاد "الرّبّ يسوع" ابن مريم ابنها ولا طفلها وما عادت له سوى "وعاء" (حاشى وكلاّ) أو "وسيلة" ينتهي دورها بولادتها له. والحقّ أنّ دورها ما انتهى عندما ولدته، له المجد، ولا حتّى قُبيل وفاته إذ وكل إليها أمومة روحانيّة لأحبّ التّلاميذ إليه : "يا امرأة، هوذا ابنك" 0يوحنّا 19: 25).

وقد "قامت قيامة" إحدى المذيعات المعاديات للكنيسة إذ أثار جريج العثرة، واستغلّت قول إحدى الحاضرات في حلقة جريج "لولا العذراء لما أتى يسوع". طبعًا، الكلمة الرّبّ الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس لم يكن بحاجة إلى السيّدة العذراء لولادته الأزليّة قبل كلّ الدّهور. ولكن لكي يتجسّد الكلمة، كان بحاجة إلى أمّ، بلا أب. ويسوع الطفل والإنسان، لولا مريم العذراء لما أتى، كما أنّ بديهيات العقل السليم تقول أن لا طفل بغير أمّ (وأب). أمّا أطفال الأنابيب فأمر حديث!

وتُغفل المذيعة المشار إليها أن لولا القدّيس يوسف العفيف الصدّيق (متّى 1: 19) لما عاشت العذراء (بل لتمّ فيها حدّ الرّجم حتّى الموت) ولما وُلد يسوع أصلاً! وكم يقصّر المسيحيّون في إكرام القدّيس يوسف! وننشد لمار يوسف:" من يخلّص المخلّص                       فهو بالوصف خليق".

لاهوتيًّا، بقوّة اللاّهوت وبذبيحة النّاسوت، الرّبّ يسوع هو مخلّصنا. وإنسانيًّا، القدّيس يوسف، بإلهام من الله وظهور ملائكي، حمى الطّفل يسوع و أنقذه من قبضة هيرودس وأرخيلاوس (متّى 2: 13 و 22)، فالقدّيس يوسف هو بشريًّا "مخلّص المخلّص". وهذا لا ينفي أنّ الرّبّ يسوع هو مخلّص البشريّة من خطاياها.

أمّا عبارة "والدة الله" أو "والدة الإله" فلم تخترعها الكنيسة بل أعلنتها "بصوت عال، صارخة" أليصابات: "من أين  لي أن تأتي أمّ ربّي إليّ؟"(لوقا 1: 43).وبديهيّ أنّ السيّدة العذراء أمّ الطّبيعة الإنسانية في المسيح لا أمّ الطبيعة الإلهيّة، كما أنّ أمّ طبيب ممكن ألاّ تفهم من الطّبّ شيئًا. ولا يختلف عاقلان أنها "أم الدّكتور"، وأمّ الكاهن ليست أمّ الكهنوت وليس كاهنة ولا قسيسة! وأمّ الرّاهب ليست راهبة!(إلاّ أمّ رمزي! عذرًا وعفوًا  لهذا المزاح الثّقيل، وما القصد إهانة والدة الرّاهب، ولكن طفح الكيل، وللصّبر حدود حتّى في غياب "محاكم التّفتيش"!)

حتّى الفيلسوف الفرنسيّ اليهوديّ جان بول سارتر، من الوجوديّين الملحدين، كتب وهو في معتقل في مدينة "ترير" في ألمانيا (مسقط رأس كيسل مردخاي الّذي هو كارل ماركس) كتب: "احتارت مريم العذراء الوالدة أمام طفلها، أتناديه: "يا ابني" أم "يا ربّي وإلهي"، وكلا الأمرين صحيح؟" فليعلّمنّ سارتر بوضوح أفكاره إكليريكييّنا الّذين اختلطت عليهم أمور نكرّر للمرّة الألف أنها بديهيّة مفهومة مفروغ منها.

3-             تنافر اصطناعيّ  "جريجيّ" مرفوض بين "أمومة" الله وأمومة السيّدة العذراء

بناء على عدم المنطق الموجود في افتراض أيّ تناقض من هذا القبيل، وجب أن يُنكر المرء على كلّ "أب" أي والد بشريّ أبوّته، بذريعة أنّ الله أب! لنقرأنّ معاً مار بولس(أفسس 3: 14- 15): "لهذا أركع على ركبتيّ للآب الّذي منه كلّ أبوّة في السّماء والأرض". اللّفظتان اليونانيّتان الأصليّتان هما : "    Πατέρα-πατριάباتيرا- باتريا"أي "أب- أبوّة". يعني بالعربي: من أبوّة الله كلّ أبوّة آبائنا. ومنطقيًّا، من "أمومة" الله تأتي كلّ "أمومة" أمّهاتنا، وعلى رأسهنّ العذراء مريم. والعذراء مريم أمّ، "والدّنيا أمّ".

يعلّم الألف باء من العقل السّليم واللاّهوت أنّ الله حنّان وأنّ إنسان ما "حنون"، طبعًا ليس مثل الله، فحنان الإنسان قطرة من محيط حنان الله. وليست هذه ذريعة لإنكار حنان الإنسان أو الأمّ أو الصّديق الشّفيق. كلّ الصّفات والمزايا والشّيم كاملة في الله، ناقصة في البشر. ويمكن أن نميّز هكذا: الله هو الكريم، وفلان "كريم"، الله هو العادل، وإنسان ما "عادل" وهكذا. الله هو الأب" وفلان "أب". الله هو "الأمّ" وفلانة "أمّ". لا تناقض ولا تنافر.

ولا مجال للتّفلسف على السيّدة العذراء ولا على دورها ولا لاختراع "أخطاء" أو "التّنبيه" عن مبالغات ليست موجودة: السيّدة العذراء هي أمّ الرّبّ وأمة الرّبّ وليست الرّبّ! وكأمّ للرّبّ فلها إكرام وتهنئة وقدر وقيمة لا تُقاس، طبعًا قيمة إنسانية روحانيّة لا إلهيّة. وكفى العقل السّليم أن يستشهد بأبي الطّيّب المتنبّي الّذي مدح والدته – وما ظلم- معلنًا بافتخار: يكفي أنّك لي والدة، هذا أكثر من كافٍ لإكرامك ورفع شأنك، حتّى ولو لم تكوني رفيعة الحسب والنّسب:

     " لو لم تكوني بنتَ أكرم والدٍ                 لكان أباك الضّخمَ كونُك لي أمّا".

4-             أقلّ قدر للعذراء مريم فقط كوالدة، حاشى وكلاّ! فكر بدائيّ ذكوريّ تلموديّ

من أكبر الأفكار عند جريج وأقصاها بُعدًا عن العقل السّليم والفكر المسيحيّ القويم هي رغبة "التّخلّص" (حتّى لاشعوريًّا) من "مريم"  ومحوها وحذفها وإلغائها وإقصائها" بذريعة "التّركيز" على "الرّبّ يسوع" فقط. يسوع وبس! أسلفنا عن إغفال جريج للأمومة عند البتول السيّدة مريم كأمومة. ولكن لا يجوز فقط النّظر إلى الفتاة والطّفلة والمرأة كأمّ فقط. يعني: تعني لنا فقط كأمّ ليسوع. أمّهاتنا أنفسهنّ، وهنّ أغلى من في الكون، لهنّ وجود وقيمة وجمال منذ ميلادهنّ. ليست الطّفلة والفتاة والمرأة "صفرًا" إلى أن تلد! فعدم "اعتبارها" إلاّ بالأمومة إغفال لقيمتها وانتقاص من قدرها كإنسانة عاقلة جميلة بريئة وهي طفلة من ملائكة الأرض! وكانت الوالدة، رحم الله روحها تقول: "البنات بيحلّوا حالهن!"

ولسان حال جريج وسواه: بالكدّ نتعرّف على "مريم" يعني "يادوب"، ولولا أنها أنجبت يسوع لما تعرّفنا إليها أصلاً. وبعد أن ولدته، لا نحتاج إليها. يعني بالعربي المشبرح وبالأسلوب الفظّ البدائيّ الذّكوريّ الوقح (مع ألف اعتذار): للتّفريخ والطّبيخ، والعياذ بالله.

 سبقنا، يا خوري جريج، الأعاجم الإيطاليّون وسواهم في إكرام "مريم الطّفلة Maria Bambina".  فقد اكتنفتها النّعمة والحظوة والبركة منذ مولدها وعند أوّل خطواتها، وكلّ شبر بنذر، بعطف والدها يواكيم ووالدتها حنّة. ونمت الطّفلة مريم كما سينمو ابنها، كإنسان (لا كإله!)، "في السّنّ والحظوة والنّعمة ". ولم تكن أقلّ قدرًا من يوحنّا المعمدان "أعظم مواليد النّساء" الّذي "امتلأ من روح القدس وهو في بطن أمّه" (بالضّبط بعد أن سمعت والدته، وهو جنين، "سلام مريم")، يوحنّا هذا الطّفل الّذي "كان ينمو ويترعرع وتشتدّ روحه" (لوقا 1: 80).

ووالدتك يا "أب" جريج ووالدتي ما خلقهما الله فقط لكي ينجبانا، نحن النّجيبين اللاّمعين ("نضوة"، "منصب"!) خلقهما الله أوّلاً "على صورته كمثاله"، ولكي تكون كلّ منهما تجسّدًا لحبّ والديهما. خلقهما الله لتكونا ابنتين، فالطّفل والطّفلة في كلّ لغاتنا  الآراميّة والعبريّة والعربيّة "ابن" و "بنت".ونادرًا ما تستطيع امرأة أن تكون أمّا محبّة إن لم تكن بنتًا محبوبة. وإن نقصها حنان الوالدين في طفولتها بقيت تعاني منه طول عمرها.

5-             للسيّدة العذراء مريم قيمة وقدر وجمال وسناء قبل أن تحمل بالمسيح!

وإلاّ لكانت فقط وعاء وآلة ووسيلة، حاشى،- وهذا ما لا نقبله على أمّهاتنا. وقد يهرب جريج والمنشقّون عن الكنيسة ويرفضون هذا المنطق السّويّ (مع أنّه بديهيّ).- لا بأس! سنلحق العيّار إلى باب الدّار: هات الإنجيل المقدّس. دخل المَلَك جبرائيل...وحيّا العذراء مريم من النّاصرة: "السّلام عليك أيّتها الممتلئة نعمة (أو: المنعم عليها كثيرًا، مليئه دي طوبوثاκεχαριτωμένη) الرّبّ معك": كلّ هذا قبل أن تحمل بيسوع. ونزيد، انطلاقًا من الإنجيل الطّاهر نفسه: الرّب سيكون فيك، ومنك سيأتي إلى العالم. الملخّص الملائكيّ الإنجيليّ: الرّبّ (الّذي هو ربّك، لا ننسى ذلك للحظة ولا لرمشة عين): الرّبّ معك وفيك ومنك. "مباركة أنت في النساء".

ونجيء إلى أليصابات التي لم تكن "خَرِفة" بل ممتلئة من روح القدس والّتي صرخت بأعلى صوتها: "مباركة أنت في النساء ومباركة ثمرة بطنك". في الواقع البشريّ الإنسانيّ، أوّلاً الأمّ الحامل، وبعدها الجنين. في اللاّهوت: أوّلاً الكلمة الإلهيّة، وثانيًا مريم الإنسانة، ولا تناقض ولا تنافر! لو كانت أليصابات من ربع "جريج" أو من معشر المتنكّرين للعذراء مريم، لاكتفت بالقول:"مباركة ثمرة بطنك". أمّا أنتِ فمجرّد خليقة أو وعاء (عفوًا). ولاستمرّت أليصابات (غير الإنجيليّة): "مِن أين لي أن يأتي ربّي إليّ؟" بدل أن تقول ما ورد فعلاً في الإنجيل الكريم، بإلهام روح القدس وبالمنطق السّليم الذي يقضي أنّ جنينًا لا يمشي وحده! جُلّ هذه الملحوظة مقتبَس عن أكبر لاهوتيّ مريميّ في زماننا، مفكّر حقيقيّ وكاثوليكيّ (وأرثوذكسيّ صميم) وكاهن أصيل يبني الإيمان ولا يدمّره، يشدّد المؤمنين ولا يشكّكهم: الأب الفاضل العبقريّ رينيه لورنتان، رحمه الله.

6-              تفصيل أقوال جريج ودحضها: "أوّل القصيدة كُفر"

"إنّ اللّبيب من الإشارة يفهم". وقالت قدماء الرّومان: "للذكيّ يكفي القليل Intelligentipauca". حَسْبُنا أن ننقل بشكل شبه حرفيّ،في نهاية هذا الجزء الأوّل، ما قاله جريج: "أريد أن أتكلّم عن إشكالية العذراء.بكلّ الديانات الوثنيّة كانت دائما صورة الآلهة الأمّ، أرطاميس من أفسس اكتشفوا تمثالها يشبه كثيرا صورة العذراء الحبل بلا دنس. العذراء هي من الأماكن التي فيها خطر كبير أن نقع في الوثنية. الإلاهة الأمّ تأليه صورة الأمومة... "                                                      

وما أدراك ما أرطاميس؟! على كلّ حال، بإيجاز: لا شبه بين معبودة وثنيّة خياليّة والسيّدة العذراء مريم. الصّورة أو التّمثال والشّبه المزعوم -يبقى شيئًا صوريًّا وسنعود إليه بالتّفصيل. يكفينا الآن أن نذكر باختصار أنّ "ارطاميس" كانت – حسب الأسطورة طبعًا والخيال الواسع- معبودة بنت إلهين هما زاويش وليتوه (والعذراء- ولا تُشبَّه بها ارطاميس- بنت يواكيم وحنّة)، وأرطاميس كانت شقيقة توأمة للمعبود أبولّون. وكانت معقّدة من الرّجال كارهة لهم بشكل باثولوجيّ (وهذه عقدة إليكترا في أشنع مظاهرها) وبقيت عذراء لا عن فضيلة بل عن خلل نفسي وعطش إجراميّ إلى الدّماء (جعلها وحشًا، بما أنّ المرأة أمّ في طبيعتها تحبّ الحياة وتعطيها). وتفرّغت للصّيد وكانت ماهرة مثل شقيقها أبولّون  في القوس والنّبال. لذا، صار الوثنيّون الإغريق وسواهم يعتقدون أنّها هي التي وقفت وراء الميتات المفاجئة، يعني حسبوها نوعًا من عزرائيل وقبّاض الأرواح بالمؤنّث. كانت شديدة النّقمة والانتقام بلا حدود. وبطشت بما لا يحصى عدده من ضحاياها (أين العذراء المسكينة من كل هذا، وهي واقفة تحت الصّليب تبكي وما أمرت لا ابنها ولا هي بقتل صالبيه؟).ومِن باكورة ضحايا أرطاميس كانت بنات المعبودة "نيوبيه" اللّواتي اغتالتهنّ وهنّ قابعات في بيوتهنّ، في حين كان شقيق أرطاميس "المصون" أبولون يقتل إخوانهنّ، أبناء"نيوبيه" في الحقول... ونُعفي القارىء الكريم من باقي قصص أرطاميس... ("معجم الميثولوجيا اليونانية والرّومانيّة"، ماريو ده غاما خوري، باللغة البرتغاليّة، ص 45- 46).

"يطير" تشبيه جريج – أو خوفه الوهميّ من تشبيهنا في الكنيسة العذراء بأرطاميس- حاشى- لأنّ المعبودة الوثنيّة الخياليّة لم تكن أمًّا، إلاّ بفضل لقب (غير مستحقّ!) أعطاها إيّاه أهل أفسس. وأنعم بأمّ وأكرم تقتل البشر!

                                                              (يتبع)



[1] أي أحد أعضاء الرّهبنة اللعازرية أو العازاريّة (نسبة إلى أليعازر صديق المسيح الوفيّ)، والتي أسسها القديس منصور ده باول الفرنسيّ كما أسس رهبنة "بنات المحبة".

[2]في اللاّهوت البيبليّ وفي علوم الكتاب المقدّس

[3]بعد كتابة هذه الملحوظة الأوّليّة، خابر الدّاعي قدس الأب الفاضل كلود ندرا، رئيس الهيئة الكاثوليكيّة للتّعليم المسيحيّ في الشّرق الأوسط. وأعرب قدسه عن هذه الفكرة بالضّبط.

[4]"ماجدة" لا تعني "مجيدة"، فالمجد لله، بل "شريفة".

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com