عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

"اليوم تأتي العذراء إلى المغارة!"

"اليوم تأتي العذراء إلى المغارة!"

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

"وحين كانت مريم ويوسف في بيت لحم، تمّت أيّام ولادتها " (لوقا 2: 6)

"اليوم" ميلاد السّيّد المسيح!

يتساءل المؤمن والملحد على حدّ سواء عن تاريخيّة المسيح وعن موعد ولادته ومكانها. جواب الإيمان واضح، ولكنّ الشّكّ أحيانًا يغزو القلوب وينشر الضّباب في العقول. ويفتح المرء ملفّات التّاريخ ليرى فيها السّيّد المسيح، "والفضل ما شهدت به الأعداء". فها إنّ اليهوديّ الملتحق بالوثنيّة يوسيفوس فلافيوس، في كتاب "العاديّات اليهوديّة" (نحو سنة 90 م)، يذكر يسوع "أخًا" أي "قريبًا ليعقوب" الرّسول. أمّا المؤرّخ الرّومانيّ تاشيتوس فيدوّن في مؤلّفه "الحوليّات" في شأن المسيحيّين :"يأتيهم الاسم من كريستوس الّذي أسلمه بونطيوس بيلاطوس إلى العذاب، في عهد طيباريوس قيصر". ولا يُخفي تاشيتوس أنّ مصدره كان "إبلينيوس الكبير" وهو وجيه وفيلسوف ومؤرّخ رافق القائد فسبازيانوس في حملته على الأرض المقدّسة ومحاصرته للقدس. وكتب إبلينيوس في "التّاريخ الطّبيعيّ" هذه المعلومات (نحو سنة 68 م). وبما أنّ الشّخصيّة بالشّخصيّة تُذكَر، فإنّ قريبًا لإبلينيوس الكبير– ولعلّه ابن أخ أو ابن أخت، أو حفيدnepos،وهو "إبلينيوس الصّغير"، كان واليًا على بيثينية، وأحسبها في آسية الصّغرى. كتب تقريرًا إلى الإمبراطور ترايانوس، سنة 111م، أكّد فيه أنّ "المسيح" وُجد تاريخيًّا وأنّ أتباعه "يشيدون به، في أيّام محدّدة، منذ الفجر". ولا ينسى المرء  الفيلسوف السّريانيّ مارا بار سيرابيون الّذي وجّه من سجنه إلى ابنه سرابيون رسالة شدّد فيها عزيمة نجله على أساس أنّه بريء مظلوم، كما حلّ "بملك العبرانيّين" الّذين ما استفادوا من صلبهم له، بل "دالت دولتهم ودُمّرت مدينتهم".

"اليوم" وُلد المسيح في 25 كانون الأوّل ديسمبر!

ورُبّ معترض يعترض: " أهو الخامس والعشرون من ديسمبر أم السّابع من يناير كانون الثّاني؟" ويردّ علم الفلك أنّ اليوم هو نفسه أي الخامس والعشرون من كانون الأوّل، ولكنّه في التّقويم اليوليانيّ يوافق السّابع من يناير. ويحتفل كلّ المسيحيّين في الشّرق الأوسط بهذا العيد معًا،  عادةً حسب الأكثريّة، إلاّ في الأماكن المقدّسة حيث "الوضع الرّاهن".

اعتراض آخر على الخامس والعشرين من ديسمبر

رُوّج لاعتراض، إمّا عن حسن نيّة أو بخلاف ذلك، أنّ المسيح لم يُولد في هذا التّاريخ لأنّ ذلك العيد أتى من كنيسة روما الّتي أرادت أن تمحو عيدًا وثنيًّا أشاد ب"الشّمس التي لا تُقهَر". لنفرضنّ جدلاً أنّ هذا الأمر حدث فعلاً، فإنّ كنيسة روما والقسطنطينيّة شقيقتها تستأهل كلّ إكبار وامتنان، لأنّها تكون قد محت آثار الوثنيّة البغيضة، بحنكة وحكمة وحبّ للمسيح كبير قضى، إلى غير رجعة، على أصنام الأمم. لذا، لا يجوز نبذ هذا العيد، كما تفعل مجموعات حديثة محدثة غربيّة غريبة، بذريعة أنّه "عيد وثنيّ"، بل يجب إحقاق الحقّ والاعتراف بأنّه "كان" (فعل ماضٍ ناقص، و"اللي فات مات"!) "عيدًا وثنيًّا". لنأخذنّ مثلاً: تتحرّر ليبيا من الاستعمار الإيطاليّ. هنالك شارع سمّاه الطّليان "شارع موسوليني" وآخر باسم "كروتشاني". لا تنسف ليبيا أيًّا من الشّارعَين بل تغيّر اسم أحدهما، على سبيل المثال، إلى "شارع عمر المختار". فهل "عمر المختار" إيطالي-موسولينيّ- كروتشانيّ؟ لا ، بل خلاف ذلك تمامًا، مخالفة النّهار للّيل.

الواقع التّاريخيّ غير القول الشّائع!

منذ القرن الثّاني، على الأقلّ، أكّدت الكنيسة الرّسولية مولد يسوع في آخر ديسمبر. وهنالك منقوشة رومانية تعود إلى سنة 354 ميلاديّة تعلن بدء "ثلاثين لعبة رياضيّة بمناسبة ميلاد غير المقهور"، بلا أيّ ذِكر للشّمس. وفي نفس الوثيقة يقرأ المرء: "25 ديسمبر ميلاد السيّد المسيح في بيت لحم يهوذا". ويتّضح أنّ لا وجود لعيد وثنيّ أشاد "بمولد الشّمس التي لا تُقهَر" إلاّ على يد الإمبراطور البيزنطيّ الجاحد يوليانوس(الّذي ملك من 361-363 م). وكما تقول العامّة "العكس هو الصّحيح": يوليانوس هو الّذي وضع "عيد مولد الشّمس التي لا تُقهَر" لكي يطمس عيد ميلاد السيّد المسيح.

وإذ أثبت مارشال تيلور وسواه أنّ يوحنّا المعمدان وُلد في أواخر شهر حزيران يونيو، فإنّ ميلاد يسوع أتى بعد ستّة أشهر أي نحو الخامس والعشرين من ديسمبر.

عبرتان لنا في الميلاد هذه السّنة

غير مرّة، عبّر بطاركة المدينة المقدّسة وأساقفتها عن حزنهم لأنّ إعلانًا أمريكيًّا أحادي الجانب، "أتى في موسم الميلاد ليحرم أطفال بيت لحم والقدس والنّاصرة فرح العيد"، وليس فقط الأطفال. العبرة الأولى لنا: لنقفنّ بالرّوح في المغارة، وبقرب الشّجرة، رمز الحياة، "الشّجرة التي وسط الجنّة"، لنقفنّ موقف السيّدة العذراء دائمة البتوليّة والقدّيس يوسف العفيف المربّي والأب الشّرعيّ والوجدانيّ، وموقف الرّعاة وموقف علماء المشرق. ولا نتشبّهنّ بهيرودس الكبير الّذي ما تحرّك من قصره، بل أضمر للطّفل شرًّا. ما أشبه اليوم بالغد في قتل الأطفال على مستوى عالميّ، وخصوصًا في بعض بلادنا العربيّة! ولا نفعلنّ فعلة يوليانوس الجاحد الّذي أنكر الإيمان وتقهقر نحو الوثنيّة. لا يكوننّ عيدنا "أكلاً وشربًا" بشعار وثنيّ: "خبزًا وألعابًا": "جلس القوم يأكلون ويشربون، ثمّ قاموا يلعبون"! لا يكوننّ عيد مولد المسيح هدايا ونفقات وتباريًا في البذخ وتفاخرًا في الشّكليّات والنّوافل، بإلحاد هيرودس ومكايده وبعقليّة يوليانوس وجحوده ومادّيّته وحقده.

كان المرء يتوقّع، بسذاجة شرقيّة ومسيحيّة، أن يكرم رئيس الولايات المتّحدة ميلاد المسيح – والرّئيس إنسان يفخر بإيمانه المسيحيّ- وما رأينا وما سمعنا كان إكرامًا لعيد تدشين الهيكل اليهوديّ" ("حانوقاه") وتجاهلاً للميلاد، وإن وقف ترامب أمام الشّجرة الاحتفاليّة. أمّا المطّلعون على الأمور، فلا يستغربون من خدعة "فصل الكنيسة عن الدّولة" أي طمس معالم المسيحيّة وفي نفس الوقت رفع شأن الأعياد العبريّة. والقسم الثّاني من هذا الواقع السكسونيّ الأليم هو التّجاهل التّلموديّ للسيّدة العذراء، بحيث يتمّ نسف الأمومة والبتوليّة والحنان وإنسانيّة المسيح.

خاتمة

ونحن نرجو للكلّ عيد ميلاد مقدّسًا تقويًّا ملؤه الفرح، على ما في عيشنا من منغّصات، نردّد مع اللّيترجيّة اللاّتينيّة المؤثّرة: "ولدت الوالدة المليك، ناعمة بأفراح الأمومة، مشرّفة بشرف البتوليّة: لا، ما كانت لها من شبيهة، ولن تكون!"

وكلّ عام وأنتم بخير!

 

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com