عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

مقالة في عيد الرَّسولَيْن القدِّيسَيْن بطرس وبولس

مقالة في عيد الرَّسولَيْن القدِّيسَيْن بطرس وبولس
القدِّيس صفرونيوس البلغاري
أيُّها المسيحيون الحسني العبادة! أترَون أيَّة أشخاصٍ بسطاءَ وأُمِّيين، قد اختارهم الله ليكونوا كُرَّازاً بتعليمه؟ لقد كان هؤلاء صيَّادي سمكٍ ومجهولين، ضعفاء وفقراء، وإذ ثبَّتهم الرَّبُّ، أرسلهم للوقوف إزاء ملوكٍ مقتدرين للغاية ومضطَّهِدين مرهوبين وكذلك إزاء كلِّ هذه الأمم الكثيرة. ولكنَّه قد كان أمراً مستطاعاً وسهلاً على ...قوة الله الكليَّة القدرة أن تصنع كلَّ هذا.
أيُّها المسيحيُّون! هل كان ثمة قِلَّةٌ من الملوك والأمرَّاء وقِلَّةٌ من الأغنياء والأقوياء ومن الناس الحكماء والعاقلين في العالم؟ ولكن لِمَاذا لم يخترْ الله البعض منهم لهذه الخدمة؟ " يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه!" (روميَّة11: 33). كان الفرِّيسيون أشخاصٌ حكماءَ وفقهاء يستقيمون، فيعرِّضونَ عصائبهم ويعظِّمون أهداب ثيابهم" (متَّى23: 5). كان رؤساء الكهنة يتربَّعون على عروشهم الكنسيَّة، فترِّن أجراسٌ متوزعةٌ على ثيابهم، وتلمع حُللُهم الذهبيَّة الّتي يرتدونها. وقد كنتَ لتلتقي في الشوارع بالقضاة والأمراء الّذين يرتعد منهم الناس البسطاء. ولكنَّ حكمة الله قد جاز عابراً عنهم كغير مستحقِّين، فاختار صيَّادي السمك البسطاء والعشارين والآخرين من أمثالهم الّذين أمَّنهم إدارة كنيسته. لقد اختار الله أغبياء وضعفاء العالم ليخزيَّ بهم الحكماء والمقتدرين الّذين يحسبون أنفسهم كِباراً وعقلاء. لأنه يوجد في العالم العديدون مِّمن طالما رأوا أنفسهم قد نالوا استحقاقاً أو ثروةً ما أو مجداً ما آخر، فيتهيَّأ لهم بأنهم لم يرضعوا من حليب أمَّهاتهم وأنَّهم لا يمتلكون جسداً ترابياً أرضيَّاً. فإنَّه يُهيَّأ لهم بأنَّه ليس ثمَّة أحدٌ ما سيكون في استطاعته أن يرُدَّ عليهم جواباً أو يقف في وجههم. ولذلك، قد اختار الله الأغبياء حتَّى يخزيَّ تفكيرهم المتعالي حتَّى يعرف كلُّ شخصٍ بأنَّ الله هو إله كلِّ إنسانٍ، وأنَّ الإنسان من دون الله هو لا شيء. والأمثلة على ذلك لا تحصى.
تذكَّروا مثل قائد الجيش الآشوري أليفانا. لقد كان هذا يظنُّ بأنَّه حتَّى ولو وقف العالم أجمع في وجهه، فإنَّه سوف ينتصر عليه أيضاً وأمَّا الله، فلكي يهزأ من جنونه الغير المعقول لم يثرْ ضدَّه شمشون الشديد ولا أيَّة ملكٍ قويٍّ آخر، ولكنَّه قد أثار عليه امرأةً هزيلةً وحدها دون جيشٍ ووضع رأسه بين يديْها المستضعفتَيْن (انظر يهوديت13: 6-8). 
تذكَّروا كيف أُخزيَّ جوليات عملاق الفلسطينيين الرهيب، عندما قتله داود الفتى الشاب دون أيَّة سلاحٍ، وإنَّما بحجرٍ صغيرٍ فقط (انظر 1صموئيل17: 49-51). كذلك قد غلب موسى فلاسفة مصر وحكمتهم بخطاباته الرُّعائيَّة (انظر سفر الخروج الإصحاحات 7-9). هكذا غلب جِدْعونُ أيضاً بجنوده الثلاثمائة المِديانيين الّذين كان عددهم لا يُحصى (انظر سفر القضاة الإصحاح السابع). ولذلك قد قال الله فيما بعد لجِدْعَون:" قد قلتُ لكَ بأن تخرج بثلاثمئة شخصٍ ضدَّ المِديانيين، لئلا يقول العبرانيون بعدئذٍ أنَّهم بقواهم الذاتيَّة قد غلبوا أعداءهم، ولئلا تقول أنتَ بأنَّ يمينكَ قد خلَّصتكَ".
إنَّنا نرى القوة غير المغلوبة ذاتها في هذا الثنائي من الرُّسل القدِّيسين أيضاً، اللّذين أخذ بهما الله الحكمة العالميَّة إذ رفعهما إلى مستوى الكرازة، لأنَّه لا الحكماء ولا البلغاء قد تمكَّنوا من الوقوف في وجهيْهِما. الأمر الّذي قد تعجَّب بسببه بولس الرَّسول وقال:" أين الكاتب؟ أين مُباحِثُ هذا الدهر؟ (1كورنثوس1: 20). لِمَ لا يُظهِرون أنفسهم؟" ها أنَّ الله قد أظهر حكمة العالم غبيَّةً ورفض عقل الفهماء، لئلا يقول أصحاب الملل الأخرى بأنَّ المسيح قد ثبَّت كنيسته بالقوة وبأنَّ أسُس الكنيسة ما كانت لتكون حقَّاً متينةً ومجيدةً إلى هذا الحد، لو لم تتثبَّت لمدَّةٍ وجيزةٍ من قبل أشخاصٍ ضعفاء وبسطاء وفقراء الّذين اختارهم الله ولمَّا استدعاهم تبعوه من فورهم
تذكَّروا مدى استعداد الرَّسول بطرس ليخضع لمشيئة الله. لأنَّه لمَّا كان هو وأخوه أندراوُس يصطادان السمك في بحر الجليل (انظر متَّى4: 18، مرقس1: 16) وجاء المسيح إليهما وقال:" اترُكا شباككما واتبعاِني، فأجعلكما صيَّادي بشر"، ترك بطرس كلَّ شيءٍ من فوره ومضى ليتبع المسيح (انظر متَّى4: 18-20، مرقس1: 16-18).
لكن اصغوا قليلاً، حتى تعلموا كيف دعا الله الرَّسول بولس أيضاً. عندما كان ذاك ماضياً بغضبٍ في طريقه إلى دمشقَ بحثاً عن المسيحيين وفي نيَّته أنَّه مهما وجد منهم هناك يكرزون باسم المسيح، يحضرهم مقيَّدين إلى أورشليم، فأناره بغتةً نورٌ من السماء وسمع صوتاً من الغمام قائلاً له:" شاول، يا شاول، لماذا تضطَّهِدني؟". لقد كان هذا صوت المسيح. فلمَّا سمع بولس ذلك الصوت غيَّر من ساعته نمط تفكيره وقال:" ما الّذي ينبغي عليَّ فعله، يا ربُّ؟ بماذا توصيني؟ هو ذا أنا جاهزٌ لأصنع مشيئتك" (انظر أعمال9: 1-6). أترَون بأيَّة سرعةٍ قد تحوَّل بولس لمَّا دعاه الله؟ وأمَّا نحن، فإنَّنا نسمع كلَّ هذا العدد من الأقوال والتنبيهات وننال من الله كلَّ هذه العقوبات ولا نتخلَّى عن أعمالنا الرديئة أيضاً. لقد أصبح بولس من جرَّاءِ قولٍ واحدٍ:" لماذا تضطَّهِدني؟" متحوِّلاً من مضطَّهِدٍ إلى رسولٍ ومن عدوٍّ إلى صديقٍ للمسيح. ولم يفصله لا حزنٌ ولا جوعٌ ولا ضيقٌ ولا عمقٌ ولا عُلُوٌّ ولا موتٌ ولا حياةٌ عن المسيح (انظر روميَّة8: 35، 38، 39).
أمَّا بطرس، فقد عمَّد الكثيرين من اليهود وبنى كنيسةً في أنطاكيا وكرز بملَّة المسيح لليونانيين وفي بنطس وغلاطيَّة وكبادوكيَّةَ وآسيا وبيت عنيا، وصُلِبَ أخيراً في روميَّة مقلوب الرأس من أجل المسيح.
أمَّا القدِّيس بولس الرَّسول، فقد اجتهد من أجل كنيسة المسيح دون أن يكلَّ. لقد احتمل برد الليل وحرَّ النهار. تألم بولس من أجل العالم بأسره حتى صار عرقه كالدم موصلاً إلى الصلاح كلاً من اليهود واليونانيين وحتى البربر المتوحشين للغاية.
أيُّها المسيحيون! لقد احتمل الرَّسولان القدِّيسان كلَّ هذا التعب من أجل المسيح الإله، فماذا عنَّا نحن متى سنبدأ بخدمة الله؟ هو ذا، قد شخَّت عظامنا وثقلت. ولكنَّنا نرى بأنَّ بطرس وبولس قد عملا حتى طعنا في شيخوختهما، وجالا المدن والقرى كارزَيْن ببشارة المسيح. كم من التعيير والاضطهاد قد احتملها هذان من قبل أشخاصٍ جهلاء، وأيَّة جوعٍ وعطشٍ احتملاه، ولكنَّه لم تسقط عزيمة روحهما لأنَّهما كانا يمتلكان إيماناً وطيداً كالصخرة والّذي به اصطادا العالم بأسره، وأوصلاه إلى المسيح الإله وأقاما كنائس في العالم أجمع. إنَّه بالفعل، لا يعدُّ عجيباً تابوت نوحَ الّذي كان طائفاً دون أن تحلَّ به نائبةٌ ما، ولا الفتية الثلاثة الّذين لم يحترقوا في أتون بابل عجيبون ولا العبرانيون الّذين عبروا البحر وكأنَّهم على برٍّ، بالقدر ذاته الّذي يعدُّ فيهِ تأسيس كنيسة المسيح أمراً عجيباً. لأنَّه بالمقارنة مع الشعب اليهودي والشعب اليوناني كانت كنيسة المسيح تشبه حبَّة الخردل بإزاء إحدى الأشجار الكبيرة، ولكنَّ حبَّة الخردل تلك، قد تكاثرت وانتشرت إلى درجةِ أنَّها ملأت الأرض كلَّها (قارن مع مرقس4: 31، 32).
يا له من أمرٍ عجيبٍ! تفكَّروا قليلاً، فهل هناك بلدٌ الآن لا يُعرَفُ فيهِ اسم المسيح؟ ألا يُعدُّ هذا الاسم مكرَّماً في أميريكا البعيدة وألا تقدِّم له البلاد العربيَّة البخور وتسجد له الهند وتتعجَّب له كلٌّ من آسيا وأفريقيا وجميع أصقاع الأرض تعترف لاسمه. فكيف كان الأمر في القِدَم؟ اقرؤوا تاريخ آنذاك وستلاحظون بأنَّه لم يكن أناس تلك الحقبة عالمين لا بالبداية ولا بالنهاية وكانوا يبحثون كالمجانين عن الألوهة في التماسيح والثيران والكلاب والبصل والثوم. فقد كانت لديهم كثرةٌ كبيرةٌ من الآلهة الوثنيَّة وكانوا ضالِّين إلى درجة أنَّهم ما كانوا يرغبون لا بالسماع ولا بالمعرفة عن الإله الحقيقي. لأنَّه كانت مملكة إبليس مثبَّتة في العالم كلِّه منذ كلِّ تلك الألفيات المبنيَّة على الوثنيَّة البغيضة لدى الله. فسقطت تلك المملكة بمعونة الله وارتفعت في مكانه عبادة الإله الحقيقي. يا له من أمرٍ عجيبٍ! فهو ذا الآن يصعب تحويل خاطئٍ واحدٍ عن عادته الرديئة. أمَّا حينئذٍ، فكم كان من السهل تحويل كلَّ هذا الجمع الغفير من البشر الّذين كانوا قد تقسُّوا في تلك العبادة الوثنيَّة المرذولة من الله. حقَّاً إنَّها لمعجزةٌ كبيرةٌ! إنَّكم تعلمون بأنَّ ذلك التنين الشرس الّذي في سفر الرؤيا، قد أنزل بذيله من السماء جزءاً كبيراً من كواكبها، ولكن ليس بطريقةٍ مسالمةٍ، بل بالسيف وبالقتل (انظر رؤيا12: 3، 4). هكذا كانت ملَّة الأريوسيين قد انتشرت لفترةٍ معيَّنةٍ من الزمن، ولكن بمعونة القوة الملكيَّة. أمَّا المسيح، فقد أوصى الرُّسُل بألا يحمل سيفاً ولا عصا (انظر متَّى10: 10، لوقا9: 3)، حينما كانوا يبنون كنيسة المسيح، وحينما كان الملوك أنفسهم أعداءً لهذا الإيمان وكانوا مجتهدين في سحقه بحيث لن يكون بالإمكان أن يُسمع عنه في العالم. وكان الآباء أنفسهم يقتلون أولادهم دون أيَّة رحمةٍ وكان الأخ يسلِّم أخاه للموت. كان المسيحيُّون في حينها يتحمَّلون ثقلاً جمَّاً من قبل الملوك والمعذبين الأشرار من أمثال: نيرون وترايانُس وأدريانُس وفاليريانُس وذيوقليديانوس وآخرون عديدون ممّن كانوا أعداءً ألدَّاءَ للإيمان المسيحي حوالي ثلاثمئة سنةٍ قبل عهد الملك قسطنطين الصالح.
ولكن تذَّكروا كم من المضطهدين الرهيبين، قد ثاروا ضدَّ كنيسة المسيح لاحقاً أيضاً. لقد سفك هؤلاء دماً مسيحيَّاً يعدُّ كالماء في كثرته، وقد كانت السجون ممتلئةً بالناس الأبرياء، وكانت أجساد الشهداء تتقلَّب متنقلة في ضواحي المدن، لأنَّ الشيطان كان يسعى مجتهداً في اقتلاع الإيمان المسيحي. ولكنَّه كان يتوَّطد وينتشر أكثر فأكثر مثل الكرمة الّتي كلَّما قطعتها أكثر، كلَّما أعطت ثمراً أكثر. لقد كان البشر يضطهدونه وأما هو، فيزدهر وكانوا يضيِّقون الخناق عليه، وأمَّا الإيمان، فكان ينتصر والمضطهدون كالدُّخان يزولون (المزمور68: 3). فقد هلك بعضهم بسيفه واحترق ثانيهم في الزؤان، فيما ماتت جماعةٌ ثالثةٌ منهم في أثناء الحروب ورابعةٌ بسبب عقابٍ إلهيٍّ آخر.
هو ذا بأيَّة تدبيرٍ قد ثبَّت ونشر الله كنيسته حتى تزهر مثل نرجسٍ بين الأشواك (نشيد الأنشاد2: 2). وبالرغم من أنَّه ليس لديْها اليوم مضطهِدون علنيون، فإنَّ البدع المتخفيَّة والأعداء من الخارج لا يتركونها أبداً لترتاح. لأنَّ الشيطان يضطهِد كنيسة الله دوماً ومتى رأى أنَّه يستحيل عليه وجده بالاضطهاد العلني، فإنَّه حينئذٍ يقيم الهرطقات المختلفة والناس العديمي الوجدان والعقل حتَّى يطاردوها بتعاليمهم الكافرة. لأنَّ الكنيسة لا تبقى محرومةً أبداً من معونة الله، بل إنَّ المعونة تأتيها مسرعةً وبطريقةٍ لا يمكن لعقلنا أن يبلغها.
ولذلك يجب علينا أن نشكر الله دائماً ونمجِّده على تدبيره المترَّحِم علينا وأن نصليَّ له بصلوات رسوليْنا القدِّيسيْن اليوم لكي يُرسِلَ رحمته علينا نحن الخطأة ويخلِّصنا من أعدائنا المنظورين والغير المنظورين، الآن وكلَّ أوانٍ وإلى دهر الدَّاهرين، آمين.

 

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com