عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

لا مسيحيّون ولا أصوليّون! (بقلم الأب د. بيتر مدروس)

 

لا مسيحيّون ولا أصوليّون!

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

نشرت مؤخّرًا صحيفة "القدس" الغرّاء مقالاً للمفكّر إميل أمين عن دعم "مسيحيّين أصوليّين" للكيان العبريّ السّياسيّ العسكريّ بذريعة "الكتاب المقدّس".  والحقّ أنّ تلك الفئات، الّتي نشأت أقدم طوائفها مع مارتن لوثير سنة 1517، ليست "أصوليّة" إذ لا علاقة لها بأصول المسيحيّة ولا بجذورها  الفلسطينيّة المقدسيّة المشرقيّة، ولا بكنيستها الأمّ في زهرة المدائن سنة 30 م.  أمّا أنّها "مسيحيّة" فالأمر يتفاوت بين جماعة وجماعة وحركة وحركة، والقياس الدّائم هو إيمانها – أم عدمه- بالعقائد المسيحيّة الأساسيّة. وقد يكون هذا الإيمان النّظريّ موجودًا، ولكن بغياب معموديّة صحيحة عندها، "بالماء والرّوح"، "باسم الله وكلمته وروحه: أو "باسم يسوع "، يكون تابعها غير مسيحيّ عمليًّا. أمّا غياب الخلافة الرّسوليّة الأسقفيّة الكهنوتيّة في معظمها، إن لم نقل كلّها، فإنّه يؤدّي قطعًا إلى حرمان أتباعها من "خبز الحياة وكأس الخلاص" وسرّ الاعتراف ومسحة المرضى وسّر  القربان والكهنوت (من تفسيرات قداسة الأنبا الرّاحل شنودة الثّالث). أمّا الزّواج بين أتباعها فهو شرعيّ لأنّه بحدّ ذاته عقد طبيعيّ، وهو في الإنجيل المقدّس عهد على الوحدة وعدم الانحلال.

صدق الكاتب إميل أمين إذ بيّن، بالإضافة إلى الموقف الصّهيونيّ المخالف لفكر المسيح رافض المملكة والجبروت والسّلطة السّياسيّة العسكريّة، كما شهد أمام بونطيوس بيلاطوس (يوحنّا 18: 36)، أنّ تلك الجماعات "خارجة عن أطر الكنائس التّقليديّة (وقصده العريقة) كالكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة"، خصوصًا في تنكّر تلك الفئات للسّيّدة العذراء مريم دائمة البتوليّة وعدم إكرامهم لها ورفضهم لوجاهتها. وقد لحظت هذه العداوة للسيّدّة العذراء الكاتبة غريس (لا أليكس) هولسل في كتابها الشّهير "النبوّة والسّياسة"، إذ ظهر لها جليًّا تهرّب أولئك "الإنجيليّين الصّهاينة" على رأسهم جيري فولويل من زيارة النّاصرة، لئّلا يكرموا السيّدة البتول مريم! ومن المخجل والمؤلم موقف تلك الفئات المتنكّرة للمقدّسات المسيحيّة والمحتقرة المتجاهلة للمسيحيّين المحليّين الكاثوليك والأرثوذكسيّين (غريس هولسل).

 

"قائد" الانشقاق الغربيّ الكبير ورائد الدّعم المعنويّ والسّياسيّ العسكريّ والمادّيّ للعبرانيّين

بمعرفة عميقة وصراحة ونزاهة ووقار، ينسب المفكّر إميل أمين تلك الحركات "الدّينيّة" المتطرّفة "الغارقة في حب إسرائيل" إلى رائد التّمرّد على الكنيسة الكاثوليكيّة مارتن لوثير، وهو يخالف الكنيسة الأرثوذكسيّة أيضًا، من حيث لا يدري (من كتاب باليونانيّة لمتروبوليت قورنثوس السّابق بندليمونوس كارنقولا، سنة 1973، ص 8). ويلفت السيّد أمين الأنظار إلى أنّ مارتن لوثير، في أوّل عهده، رجع إلى اليهوديّة بما أنّه نبذ الكنيسة مرجعًا وسلطة، فما بقي إلاّ "الكنيس اليهوديّ" موئلاً. وتمسّك بالمواقف اليهوديّة، فأتت بشكل مأساويّ اعتراضات "البروتستنتيّة" فقط على عناصر من العهد الجديد ولا أيّ اعتراض على العهد القديم، طابورًا خامسًا لليهوديّة ساعيًا إلى اختراق المسيحيّة من الدّاخل، ولوثير لا يدري (أنطون بيناي، "المؤامرة على الكنيسة").. فكتب لوثير سنة 1523 مؤلّفه المتعاطف مع اليهود واليهوديّة "يسوع وُلد يهوديًّا". ولكنه سنة 1543، كما يورد الكاتب أمين، انقلب على العبرانيّين في كتابه "اليهود وأكاذيبهم".

ولكن فات الزّمن، وقد تسرّبت العقليّة الصّهيونيّة إلى كثير من أتباع لوثير، كما يلحظ الكاتب أمين، تشّرب كثيرون، إلى أيّامنا حيث أصبحوا ملايين، ذلك الفكر المغلوط، ومفاده أنّ اليهود بقوا محافظين على المواعيد، سواء اعترفوا بابن مريم العذراء مسيحًا أم لم يعترفوا. كلّ هذه التّفسيرات المغلوطة، الّتي استنكرتها الكنيسة الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة مرارًا وتكرارًا، خصوصًا في فلسطين وسائر المشرق العربيّ والمعمور كلّه، نتيجة طبيعيّة منطقيّة لمبدأ لوثير : "الكتاب المقدّس وحده"، والحامل في ثناياه المبدأ الثّاني: "التّفسير الحرّ للكتب المقدّسة"، بخلاف إعلان القدّيس بطرس الواضح:"واعلموا قبل كلّ شيء أن ما من نبوّة في الكتاب تأتي بتفسير فرد من النّاس" ( 2 بطرس 1: 20).

وتُعرف الشّجرة من ثمارها، كما قال السيّد المسيح. الحرّيّة في التّفسير، خصوصًا "بلا علم ولا رسوخ" (بخلاف توصيات أمير الرّسل بطرس في رسالته الثّانية 3:14 وتابع) تولد الفوضى. وفي السّنة نفسها الّتي تمرّد فيها لوثير على الكنيسة تمرّد عليه قسّ آخر هو توماس مونتسر وفرّاش (نجّاد) دُعي نقلاوس شتورش في مدينة "سفنتشاو" الألمانيّة. ورفضا تعميد الأطفال (كما تفعل معظم الفئات الصّهيونيّة اليوم أيضًا) ، مع أنّ المعموديّة ولادة جديدة (يوحنّا 3 : 1 وتابع) وتحلّ محلّ الختان (غلاطية 3: 26 وتابع)، وأعادوا تعميد الكبار، مع أنّ "المعموديّة واحدة" ("تاريخ الاحتجاج البروتستنتي" للأب استفانوس سالم الفرنسيسكانيّ، ص 59 وتابع). وبعد أن انضمّ إلى "معيدي العمّاد" عدد من الهولنديّين وغيرهم "عقدوا مؤتمرًا  في مونستر (ألمانيا، واسم المدينة يعني "دير الرّهبان"!) تحت رئاسة بوكلسن من مدينة "ليدن" ليؤسّسوا "مملكة صهيون الجديدة" (نفس المصدر، ص 60). فليقرأنّ القارىء الّلبيب "المكتوب من عنوانه".

"العهد" البروسيانيّ قبل الوعد البلفوريّ!

وسارت الطّوائف "الرّئيسيّة" على نهج لوثير وكتابه الأوّل عن اليهود. فاتّحدت "جمعيّة لندن لتنصير اليهود" مع لوثريي شمال ألمانيا ("بروسيا") وأرسلت إلى فلسطين" "ألمع عبريّ متنصّر في إنكلترا" مايكل سلمون الكسندر وولف" بلقب "أسقف" لتبشير اليهود وإعطائهم فلسطين، وذلك سنة 1842 (الأب د. حنّا سعيد كلداني،"المسيحيّة المعاصرة في الأردنّ وفلسطين"، ص 308). والذّريعة الأخرى كانت تعجيل عودة المسيح باهتداء العبرانيّين إلى المسيحيّة. وكان اليهود حينها في فلسطين أقلّ من 4 بالمئة!

من الذّرائع الأخرى لدعم للكيان العبريّ

يستغلّ "المغرمون بالعبرانيّين" في الغرب "عقدة الذّنب" بسبب النّازيّة. يأخذون فقط آيات من الميثاق القديم عن أنّ "أرض الميعاد" لليهود، ولكن يغفلون أنّ الله نفاهم منها على الأقلّ مرّتين قبل المسيح، وأنّ ذلك الوعد بالأرض كان مشروطًا بشرطّين ما تمّمهما الشّعب العبريّ أي الأمانة للعهد مع الله واستقبال المسيح الآتي. أمّا نبوّة مار بولس: "سيخلص كلّ إسرائيل" (رومية 11: 26 وتابع)، فلا تشير لا من قريب ولا من بعيد إلى "دولة عبريّة" بل إلى اهتداء معشر العبرانيّين إلى المسيح ونور الإنجيل. وهذا ما لم يتحقّق حتّى اليوم.

 

لفّ ودوران الفئات المتطرّفة الصّهيونيّة الّتي تدّعي المسيحيّة- مع مسيحيّينا العرب!

يكفينا مَثَل واحد. صدر لكتاب جوش مكدويل تعريب تحت عنوان "ثقتي في التّوراة والإنجيل". وهذا كان "الفصل الخامس: الكتاب المقدّس صادق في نبوءاته... حول غزّة وأشقلون ... واتّساع أورشليم"، مع  ادّعاء إنجاز هذه النبّوات (وغيرها) في إسرائيل اليوم. قدّر الله الكنيسة الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة في فلسطين أن تفضح هذه الصّهيونيّة المخالفة للتّفسير الحقيقيّ للكتب المقدّسة. فما كان من دار النّشر الألمانيّة إلاّ أن غيّرت عنوان الكتاب، بلا تبديل أيّ حرف من المضمون. وهكذا صدر كتاب "جديد" عنوانه : "كتاب وقرار". (لا نورد أيّة تواريخ لأنّها غير مذكورة في النّشرات المشار إليها، ولعلّ هذا الإغفال مقصود). سرعان ما اكتشفت الكنيسة تلك الألعوبة، فأصدرت آخرًا دار النّشر الألمانيّة في شتوتغارت "طبعة جديدة" للكتاب نفسه، ولكن من غير الفصل الخامس. فكان  اثنتين وثمانين صفحة فقط.

خاتمة

يأتي هذا المقال تعليقًا على مقال المفكّر إميل أمين وتأييدًا له. والهدف واضح: "العمل للحقّ في المحبّة" (أفسس 4: 15)، لأنّ "المحبّة لا تفرح بالظُّلم ، بل تفرح بالحقّ". وهذه السّنة، من هذا المنبر الأغرّ، يهدف الدّاعي، وهو قسّ كاثوليكيّ، إلى توضيح الأفكار لدى نفر من الكاثوليك جعلتهم "المحبّة" لإخوتنا البروتستنت ينسون الحقائق التّاريخيّة أو يجمّلونها، بلا وجه حقّ. وقد سبق نيافة الكردينال جرهارد لودفيغ مولر أن شجب التّضحية بالحقيقة بذريعة المحبّة والتّقارب، وقد علّمتنا الحكمة العربيّة أنّ الاختلاف أو الخلاف لا يجوز أن "يُفسد للودّ قضيّة".

وكفلسطينيّين وعرب، نحن أوّل ضحايا ما يُدعى زورًا وبهتانًا "الصّهيونيّة المسيحيّة"، فالتّناقض بين المفهومَين يسطع كالشّمس: المسيحيّة دعوة محبّة لجميع النّاس بلا تمييز ولا نعرة، والصّهيونيّة حركة لشعب واحد يسعى إلى السّيطرة على فلسطين والشّرق الأوسط وربّما على العالم كلّه، ومن ألدّ "أعدائه المسيحيّة وبالذّات الكنيسة الكاثوليكيّة وخصوصًا الرّهبنة اليسوعيّة"! وهذه فرصة ذهبيّة كي نبيّن لمواطنينا المسلمين الأعزّاء أنّ المسيحيّة براء من تلك الفئات، يحيث أنّ محاربتنا لها واجب دينيّ وواجب وطنيّ.

وأمام المنابر الدّوليّة، ما توانى الكرسيّ الرّسوليّ البطرسيّ ولا البطريركيّة اللاّتينيّة بلا كلل ولا ملل، ومع المضايقات والمعارضات، أن يبيّنا أنّ لا نبوّة عن دولة يهوديّة، ولا سبب لدعم الكيان العبريّ بذريعة الكتاب المقدس. وكان ذلك بفضل البطريركَين اللاّتينيّين العربيّين الفاضلَين ميشيل أسعد صبّاح (الحاصل مؤخّرًا على "جائزة ياسر عرفات" على العطاء القوميّ) وفؤاد بطرس الطّوال. وهكذا تمّت نبوّة أشعيا، من جديد: "من المدينة المقدّسة تخرج الشّريعة، ومن القدس كلمة الله"، أوروشالم الجديدة أمّ جميع الكنائس وقلب المسيحيّة وموقع الحوار والتقارب مع العالم الإسلاميّ، وقد وحّدنا الألم المشترك ، راجين من العليّ خلاصًا ومن السّماء نورًا يبدّد  عن بلادنا المقدسة الظُّلمة والظُّلم!

 

 

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com