عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

فرنسيس الاسيزي

القدّيس فرنسيس الأسيزيّ: مصلح كبير حقيقيّ

(بقلم الأب د. بيتر مدروس)

يحتفل الآباء الفرنسيسكان الأفاضل بمرور ثمانمئة سنة على خدمتهم للمقدّسات ولسكّان هذه الأرض الطّهور وسائر الشّرق الأوسط. وهذه مناسبة عزيزة لكي يشكر المرء لهم فضائلهم وأفضالهم وتضحياتهم ومحافظتهم على كل شبر من هذه المقدّسات ومن ثرى هذه الدّيار المباركة. وقد بلغت تضحيات بعضهم الاستشهاد. ويغتنم المرء هذه الفرصة لتعريف أفضل بالقدّيس العظيم فرنسيس الأسيزيّ الّذي أصرّ الحبر الأعظم الحاليّ أن يأخذ اسمه تيّمنًا وسعيًا إلى الاقتداء به.

جوفانّي برنردونه ابن تاجر ثريّ في مقاطعة أومبريا الإيطاليّة

أحبّ التّاجر برنردونه فرنسا وأراد أن يسمّي ابنه "جوفاني" باسمها أي فرنشيسكو" فرنسيس. ويرى المرء قوّة نعمة الله الّتي تغيّر حياة النّاس بحيث تحوّل بذخ الشّاب فرنسيس إلى فقر وزهد وقناعة. وها هو ابن تاجر القماش يرتدي ثوب الفلاّحين البنيّ الّذي يلبسه الفرنسيسكان "الأصاغر" إلى أيّامنا. وشتّان بين هذا الرّاهب الحقيقيّ الملتحف بالفقر، وقد هدى الله قلبه بسبب إنعام من الله وشفقة الشّابّ فرنسيس على الفقراء واحتضانه للمرضى حتّى البرص، شتّان بينه وبين راهب ألمانيّ سيولد بعده بنحو ثلاثة قرون، سيكون هو المحرّض على قتل الفلاّحين، بحيث قضى منهم مئة ألف نحبهم. وكما أسلفنا في مقالات سابقة، لا يجوز، بذريعة المحبّة والتّقارب، تشويه الحقائق أو تجميلها بحيث ينقلب الباطل حقًّا والتّمرّد "إصلاحًا" والكفر "جرأة في الإيمان".

 

"يا فرنسيس، أعد بناء كنيستي"

سمع الرّاهب فرنسيس هذا الدّعاء، وذُهل لوعيه بضعفه وعلمه بحدوده وتذكّره لماضيه الأثيم، "ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه". وهكذا، نرى الانتقال من الخطيئة إلى النّعمة، ومن المجون إلى الزّهد، ومن الشّهوانيّة إلى العقلانيّة والرّوحانيّة، بخلاف غيره الّذين "تحوّلت سيرتهم إلى لاهوتهم" (حسب تعبير الأب العلاّمة تيوبالد بير)، وصاروا يحثّون على الشّرّ، تبريرًا لتصرّفاتهم، فكتب أحدهم: "كن خاطئًا واخطأ بشدّة ولكن آمن بشدّة أكثر".

قصَد الصّوت السّماويّ أنّ الكنيسة في وجهها البشريّ كانت في فترة أزمة، وربّما كثرت عند بعض القوم الرّذائل، مع أنّهم في هذا ما كانوا أسوأ من غيرهم، فالنّفوس حسب التّعبير القرآنيّ "لأمّارة بالسّوء". وما قصد السيّد المسيح أنّه بحاجة لا إلى فرنسيس ولا إلى غيره، لا قبله ولا بعده، لتثبيت العقيدة والأخلاق المسيحيّة في مبادئها، بل إلى أناس صالحين يصلحون التّصرفات السّلبيّة. وما خرج فرنسيس عن الكنيسة، إذ لا يُصلح أحد بيتًا إذا خرج منه وتركه، بل توجّه سنة 1210 مع "إخوته الأصاغر" إلى قداسة البابا انشنتيوس الثّالث الّذي وافق على "نظام الرّهبنة" الفرنسيسكانيّة الأولى. وانبثقت منها عبر العصور عشرات الرّهبنات التّابعة للسّيّد المسيح في مدرسة فرنسيس الأسيزيّ الفقير المتواضع الّذي حمل في جسده سمات الآلام (في بلدة لافيرنا سنة 1224).

وإذا قال قائل: "نستنتج من كلامك – ومن فمك أدينك- أنّ فسادًا كان في الكنيسة في القرن الثّالث عشر أيضًا!" ينمّ الاعتراض، على حسن نيّة أصحابه، عن سذاجة كبيرة وجهل عميق لأعماق البشر الّذين ليسوا ملائكة ولا من الشّياطين. فالخطيئة مع الأسف واقع لا سبيل إلى إنكاره، ولكن المطلوب التّوبة من جهة، وعدم المسّ بالعقيدة وبمبادىء الأخلاق. وإذا تبعنا المنطق غير السّويّ – مع الاحترام- الّذي أوردناه، فرض نفسه سؤال وجيه: إذا كانت الكثلكة فاسدة في القرن الثّالث عشر، فكيف انتظرت العناية الإلهيّة ثلاثة قرون ريثما وُلد- في سبيل "إصلاحها"- مارتن لوثر وأولريش زوينغلي وجون كلفين (أمّا هنري الثّامن ملك انكلترا فكانت قصّة تمرّده على البابا بسبب طلاق وزواج آخر ستليه على الأقلّ أربع زيجات أخرى، وقتل لعدد من زوجاته وأوّلها آن پولن)؟

ولكنّ الواقع اللاّهوتيّ والتّاريخيّ واضح: ما تغيّرت العقيدة ولن تتغيّر، منذ عشرين قرنًا وإلى نهاية الدّهر، وفي كلّ عصر تكلّلت الكنيسة بجحافل القدّيسين، من معترفين وشهداء، أسعفتهم النّعمة الإلهيّة وأعطتهم القوّة "فصلبوا أجسادهم مع الآلام والشّهوات" وما كيّفوا الإنجيل الطّاهر ولا "ذوّبوه" خضوعًا منهم لنزواتهم، ولا أنزلوه—حاشى وكلاّ- إلى دركات أهوائهم.

وربطت الرّاهب فرنسيس والرّاهبة "كلارا" صداقة روحانيّة ملائكيّة، لا مقابلة بينها وبين راهب آخر شجّع "الفارس فرانتس كوبيه" لاختطاف راهبات من أديرتهنّ. وأنشأت الرّاهبة القدّيسة الكبيرةكلارا رهبنة "الكلاريس" المحتجبات داخل أديرتهنّ لا يردن من حطام الدّنيا شيئًا.

 

اللقاء المؤثّر في دمياط بين السّلطان الكامل الأيّوبيّ والقدّيس فرنسيس الأسيزيّ سنة 1219

وقبل أيّام التقى فضيلة الإمام الأكبر للأزهر، مرّة ثالثه، بقداسة البابا فرنسيس، حامل اسم مار فرنسيس الأسيزيّ، رجُل السّلام والوداعة والحوار. يروي القدّيس بونافنتورا (قبل سنة 1266) أنّ الطّوباويّ فرنسيس توجّه إلى مصر، مع أنّ الحرب كانت قائمة، ولسان حاله قول داود الملك: "إنني لو سرتُ في وادي ظلال الموت، لا أخاف سوءًا، لأنّك يا ربّ معي". وبعد التّعرض للضّرب، قاده الجند إلى السّلطان الكامل الّذي استفسر عن شخصيّة فرنسيس وهدفه من هذه الرّحلة المكتنفة بالمخاطر. وبحكمة وحنكة عبّر الرّاهب، ليس فقط عن إيمانه بالله ومودّته الرّوحانيّة للسّلطان، بل عن رغبته في زيارة الأماكن المقدّسة في فلسطين والاعتناء بمقدّساتها المسيحيّة. وكان له ذلك في حقبة من التّاريخ عصيبة.

خاتمة

وراء مظاهر البساطة والثّياب الرّثة والابتسامة الصّادقة البريئة اختفى في فرنسيس عبقريّ فذّ وبطل من فرسان الإيمان ومفاخر بني الإنسان. وها إنّ أبناءه الرّوحانيّين وبناته وبنات القدّيسة كلارا في كلّ أرجاء المعمور يعملون ويتعبون ويصلّون ويضحّون- أحيانًا حتّى الاستشهاد- في سبيل الله والبشريّة. ولا يفوت المرء أن ينهي هذه السّطور بصلاة القدّيس فرنسيس التي هي صدى للكلمات السّيّديّة: "طوبى لفقراء الروح، فإنّ لهم ملكوت السّماوات، طوبى للسّاعين إلى السّلام فإنّهم عيال الله يُدعَون":

" يا ربّ، استخدمني لسلامك، فأضع المحبّة حيث البغض، والمغفرة حيث الإساءة، والإيمان حيث الشّكّ والفرح حيث الحزن".

 

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com