عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

مناسبة تعيين نائب بطريركيّ

بمناسبة تعيين نائب بطريركيّ جديد للاّتين في النّاصرة

التّاريخ و التّاريخ الأصيل أيّها النائب الجليل في الجليل

(بقلم الأب د.بيتر مدروس)

عُيّن قدس الأب د. حنّا سعيد كلداني نائبًا بطريركيًّا جديدًا للاّتين في النّاصرة. وكان سميّه المطران حنّا كلداني في هذا المنصب، أسقفًا على الجليل منذ زيارة البابا بولس السادس إلى الدّيار المقدسة بما فيها الأردنّ سنة 1964. وخلفه الأسقف المخضرم إيطالي المولد فلسطينيّ عربيّ الوجدان جاشنتو بولس ماركوتسو. وإنّها مناسبة للشّدّ على أيادي النّائب البطريركيّ الجديد والدّعاء لأهل البشارة وسائر الجليل بكلّ خير في وطن مقدّس ذاق مُرّ الآلام وما يزال.

من مصادفات التّاريخ البطريركي المقدسيّ

لا داعي هنا لإيراد سيرة الأب د. حنّا كلداني المولود في مادبا سنة 1955والمنتمي إلى الأردنّ الحبيب، ابن أسرة ترتقي إلى أصول أشوريّة عراقيّة. ويعرف الأب النّائب الجديد أفضل من الدّاعي"بلاد ما بين النّهرين" أو "آرام النّهرين" مسقط رأس أبينا إبراهيم الخليل، والأسماء المتنوّعة التي سُمّي بها هذا البلد العريق في الماضي، انطلاقًا من الإمبراطوريّات التي سادت فيه من "بابليّة" و"كلدانيّة" وأشوريّة". أمّا من النّاحية المسيحيّة المسكونيّة، فيبدو أنّ الرّعيّة "الكلدانيّة" تميّزت بعد خروجها من طائفة "المشرق الأشوريّة" واتّحدت مع الكنيسة الكاثوليكيّة منذ القرن السّادس عشر.وحظيت الكنيسة الكلدانيّة أيضًا بإكليلها من الشّهداء، خصوصًا بين 1915- 1918. وها هي اليوم تقدّم شهداء آخرين، بعد أن كانت الموصل من أرفع أبْرَشيّاتها شأنًا. وتفسّر تلك الضّيقات نزوح كلدانيّين كثيرين إلى الأردن ولبنان وسورية ومصر. ورحّب الأردنّ المضياف بأولئك المنكوبين وحضنهم بمروءته المعهودة، فنعموا باستقرار المملكة وشعروا بانتماء لها لا يقلّ عن سائر أبنائها، بل ربّما يزيد، لاختلاطه بمشاعر العرفان والامتنان والإكبار.

 

 

قدس الأب كلداني يحمل دكتوراة في التّاريخ: وهذ جُلّ ما نحتاج إليه!

نظرة سريعة إلى تاريخ بطريركيّتنا اللاّتينيّة المقدسيّة، وهي البطريركيّة الوطنيّة بمعظم إكليروسها وأهلها، تذكّرنا بنائب بطريركيّ لاتينيّ أسبق، وُلد في شمال إيطاليا وتبنّته فلسطين فأحبّها وخدمها : المنسنيور الرّاحل أنطون فرغاني المعّربة كنيته "الفرغاني". خدم كاهن رعيّة في كلّ من بير زيت والسّلط وبيت ساحور – فالبطريركية واحدة في الضّفتَين وأبناؤها وكهنتها فيهما أهل وأحباب. وعُيّن الفرغاني نائبًا بطريركيًّا للاّتين في النّاصرة، فلسطين، نعم فلسطين، سنة 1946. وانقضّت النّكبة على فلسطين والفلسطينيّين وسائر العرب. وتفانى المنسنيور الفرغاني في التّفاوض لاستسلام النّاصرة حقنًا للدّماء. وقدّم كلّ ما لديه لخدمة اللاّجيئن الّذين أسّس من أجلهم "اللّجنة البابويّة لإغاثة اللاّجيئن". وللكنيسة الكاثوليكيّة ولسدّة الفاتيكان، إلى أيّامنا، الباع الطّويل في غوث اللاّجئين، من غير النّظر إلى ديانتهم.

ويلفت الأنظار أنّ المنسنيور الفرغاني، مع مسؤوليّاته الكثيرة وبعد استقالته من مهامّه، أنهى كتابة "المجمل في تاريخ الكنيسة" الّذي طبعته البطريركيّة اللاّتينيّة، وكان مرافقًا لكتاب التّعليم المسيحيّ في المدارس البطريركيّة والرّهبانيّة الكاثوليكيّة اللاّتينيّة.

محبّة للقريب قاتلة للحقيقة!

أتى بابا الطّيبة والأريحيّة يوحنّا الثّالث والعشرون، ودعا المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني (1962- 1964) إلى المحبّة والتّسامح وغضّ الطّرف عن جفاء الماضي وسلبيّاته، وإلى المودّة نحو المسيحيّين الآخرين ونحو سائر الدّيانات الموحّدة. وبالانتظام الهرميّ شبه العسكريّ، تقيّد الكاثوليك، مؤرّخين وإكليروسًا وشعبًا، بإغفال سيّئات الآخرين في الماضي، وامتنعوا عن انتقاد عقائدهم وسلبيّات تاريخهم الذّي لا يُستغرب منه لأنّهم بشر مثل الكاثوليك! وسعت اللّجان البابويّة الرّومانيّة إلى التّقارب. ووجّهت أنظارها فقط إلى الإيجابيّات لدى الكنائس والأديان الأخرى.

وسرعان ما تبيّن، مع الأسف، أنّ تلك كانت – ولعلّها ما تزال- "محبّة من طرف واحد". ليست المسألة عاطفيّة روحانيّة فقط، فمن المسيحيّ مطلوب أن يحبّ أعداءه وأن يبارك لاعنيه. المشكلة المشكلة كانت – وهي إلى الآن قائمة – الطّعن بالعقيدة الكاثوليكيّة والقدح بالكنيسة بلا حقّ، وتشويه صورتها لدى كنائس أخرى ما نسيت الأحقاد، ولا ترى بين الاختلافات "العقائدية" مع الكثلكة جسورًا (مع أنّ  معظمها إداري الأصل سياسيّ النبع) وتخشى لاشعوريًا الكنيسة الكاثوليكيّة، وفي نفس الوقت تُعجب بها وبانضباطها الهرميّ مضرب الأمثال، وتألّقها في الحفاظ على سرّ الزّواج بلا هوادة، وديمومتها بإذن الله عبر عشرين قرنًا. فإذا كان بعض "المسيحيّين"(حتّى بعد نصف قرن من التّقارب المسكونيّ) يشنّعون بالكثلة، فما بالنا بغير المسيحيّين، وبكتّاب مناهج تربية تعليم هم قوم محترمون أفاضل، ولكن لا دراية لهم باللاهوت ولا بالمفردات الكاثوليكيّة اللاتينيّة، من جهة، ولم يقوموا، من جهة أخرى، بأيّة أبحاث رغم الاكتشافات الجديدة (ولا سيّما في شأن الصّليبيّين والقرون الوسطى)، بحيث ما تزحزحوا قيد أنملة، مع الاحترام لهم، منذ تركيا العثمانيّة (التي أتت بعد صلاح الدّين الأيّوبيّ بقرون) ومنذ الانتداب البريطاني الأنكليكانيّ البروتستنتي البروسياني المعادي للكنيسة الكاثوليكيّة والّذي سبقت حكومته، من سنة 1842، النّشطاء العبرانيّين في المطالبة بكيان سياسيّ لليهود في فلسطين. وقد تمنّت "جمعيّة لندن لليهود" أن تجلب يهود فلسطين إلى المسيحيّة، فأخفقت مع "الاتّحاد البروسيانيّ بين الأنكليكان والّلوثريّين"،في هدفها الدّيني، ونجحت، على حساب الشّعب الفلسطينيّ المسكين، في تحقيق الهدف السّياسيّ المبنيّ على تفسير مغلوط للكتاب المقدّس، وخصوصًا للعهد الجديد، وترفع لواء هذا التفسير الخاطىء، حتّى اليوم، بلا خجل، "المسيحيّة الإنجيليّة الصّهيونيّة". وهنالك تناقض وتنافر بين المسيحيّة وروحانيّتها، والصّهيونيّة ودنيويّتها. كلّ هذه الحقائق – وهي غيض من فيض- غير واردة في كتب "التاريخ المدرسي والجامعيّ"  و"الموسوعات"، وتُغفلها الطّوائف المعنيّة أو تخفيها نهائيًّا بحيث لا يعرفهاأتباعها. وبالضّبط، قام الأب د. حنّا سعيد كلداني، في أطروحته للدّكتوراة " المسيحيّة في الأردنّ وفلسطين" بسرد هذه الأمور وسواها – ما للكثلكة التاريخيّة وما عليها ، وما للآخرين إخوتنا وما عليهم، بموضوعيّة وبأسلوب علميّ نزيه رفيع، لا من باب "الدّفاعيّات" عن الكثلكة المظلومة، بل إحقاقًا للحقّ وسعيًا إلى سرد الماضي كما تمّ لتفهّم الحاضر وتحضير المستقبل. وأكيد أنّ لسان حاله كان يقول جملة يحلو للدّاعي أن يردّدها مرارًا وتكرارًا، بسبب الانتهاكات المتكرّرة لحرمة الحقائق التّاريخيّة، حيث أصبح أحيانًا "الخطأ المألوف أفضل من الصّواب المهجور"، خصوصًا بسبب عمليّات تشويه أو تجميل أو تبيان أو إغفال ، حسب المتكلّم أو الحاكم: "التّاريخ هو ما كان، وليس ما كنّا نودّ أن يكون قد كان". وقالت قدماء الرّومان: "التّاريخ معلّم الحياة".

 

 

"العصور الوسطى" حسب كتب التّاريخ المدرسيّ والجامعيّ

هنالك إغفال أو إهمال أو جهل لعظماء القدّيسين والعباقرة الكاثوليك من تلك الفترة من القدّيس أوغسطينوس إلى ألبرتوس الكبير ومار فرنسيس الأسيزيّ والقدّيسة كلارا والقدّيسين عبد الأحد ("دومنك") وإغناطيوس ده لويولا والمصلحين الحقيقيين لسيء التصرفات والممارسات ، من الداخل، لا بالاحتجاج من الخارج والتشتيت والتفتيت والتّمزيق. ومن ألمع أولئك القديسين كارلو بورميو ويوحنا الصليب وتريزيا من أفيلا الإسبانيّة وجاك أولييه والقديس فرنسيس ده لا سال والقديس منصور ده بول مؤسس "راهبات المحبّة" و"جمعيّات مار منصور"... وكلّهم أصحاب أسماء وأفضال وفضائل ما سمع بها أحد، فقط لأنّهم كاثوليك، وتمّ إغفالهم "لغرض في نفس يعقوب".

وإذا انتقد قوم "العصور الوسطى" لسيطرة الدين المسيحيّ والأخلاقيّات الكاثوليكية "الصّارمة" على المجتمع، فالظّواهر السلبيّة التي اختفت منذ زمن طويل باقية عند غير الكاثوليك إلى اليوم، مثل "إقطاعيّة" عدد كبير من "المبشّرين الإنجيليّين" الّذين تصل ميزانيّة بعضهم (بلا ذكر أسماء) إلى أضعاف ميزانيّة الفاتيكان القائم على رعاية مليار ونصف مليار مؤمن، معظمهم من العالم الثالث، الذي لا ناصر لهم  ولقضاياهم العادلة إلاّ الله والكنيسة. ويا ليت الزّعماء السياسيين والمسؤولين "التّربويّين" في الغرب يتقيّدون اليوم بشيء بسيط من أخلاقيّات الكنيسة وضغوطاتها الخيّرة في "العصور الوسطى"، بدل سنّهم لقوانين مارقة – هداهم الله وأصلح أمرهم-  مثل الإجهاض واتّحاد مثليين ومثليّات، وتمكينهم من تبنّي أطفال والسّماح بتعجيل وفاة مرضى متألّمين، والإباحيّة وعدم الحياء في السّينما والتّلفزيون والصّحافة...  كلّ هذا ترافقه العداوة للكنيسة الكاثوليكيّة وشققيقتها الأرثوذكسيّة، لإصرارهما على طبيعة الزّواج كوحدة وجدانيّة وجسديّة مثمرة بين رجُل وامرأة، ورفضهما "رسامة النساء" خصوصًا المطلّقات.

أصليبيّون أم "فرنجة" ؟

في فلسطين، وبالذّات في أراضي الحكم الذّاتي، توصّل مسيحيّون وطنيّون إلى إقناع زملائهم المسلمين من أهل التّربية والتّعليم أنّ "حملات الفرنجة ما أتت إلاّ لأهداف استعماريّة استيطانيّة لا علاقة فيها للديانة المسيحيّة". والقصد شريف أي نزع فتيل أيّة فتنة وانقسام في الصّفّ الواحد والخندق الواحد. "والفتنة أشدّ من القتل" حسب التّعبير القرآنيّ. وفعلاً، تبنّت كتب التّاريخ هذه التّسمية التي كانت صحيحة بسبب الأهداف الدنيويّة السياسيّة العسكريّة عند أباطرة بيزنطة.

محبّة وحسن نية ومراعاة لشعور المسيحيّين والمسلمين، ولكن بعيدة عن الحقيقة والإنصاف!

لا يريد المرء هنا أن "يعطّل" على سلامة طويّة ولا "يخرّب" على صفاء نيّة. ولكن، هنا أيضًا، ما أخطأ المربّون المسلمون بل المسيحيّون، وقد طغا فيهم الانتماء الوطنيّ على الحقّ التّاريخيّ والإنصاف الأخلاقيّ.

الإيمان والإيمان المسيحيّ وحده والغيرة على المقدّسات وعلى سلامة الحجّاج القاطعين برًّا مناطق كثيرة تحت الحكم التركي السلجوقيّ كانت الدّافع الوحيد للبابا أوربانوس الثّاني في الاستغاثة أوّلاً بالشّعب المسيحيّ وثانيًا بالملوك والأمراء للتّوجّه إلى الأرض المقدّسة فلسطين. فكان الشّعب والملوك والأمراء، والعوام من شيوخ وأطفال وتائبين مستغفرين، وسيّدات وملوك وأمراء مؤمنين (خصوصًا العُزّل منهم) يحملون صليبًا أحمر مرصّعًا بالّذهب، لا "عبادة " منهم للصّليب بل إكرامًا لأداة الفداء. وأعلنوا جميعهم الإيمان لا بثلاثة آلهة بل بإله واحد "خالق السماء والأرض" ، وإكرامهم للسيّدة العذراء دائمة البتوليّة مريم التي هي مخلوقة غير معبودة ولكنّها "المباركة في النساء"، وكما يقول النص القرآنيّ باستشهاد غير حرفيّ : مصطفاة مطهّرة مصطفاة على نساء العالمين، بحيث أنّ لا تأليه للسيّدة البتول في المسيحيّة.

وسطع بين الملوك والأمراء والقادة الصّليبيّين نجوم قداسة منهم، على سبيل المثال لا الحصر، القديس لويس ملك فرنسا والملك ريتشارد قلب الأسد وغودفروا ده بويون وبطرس النّاسك. أمّا الفارس "رنيه ده شاتيّون" (ولعلّه أقام فترة في الكرك، مسقط رأس الأب كلداني) فكان "ده شاتيّون" وأشباهه من أشرار الفرنجة ومارقي الصليبيين والمستهترين المُعتدين موضع ملامة لسوء تصرّفاتهم، وأمثالهم لا يلقون المديح لا من التاريخ ولا من الكنيسة!

أمّا من دعا بابا الفاتيكان غريغوريوس الكبير إلى التّدخل وإرسال الجيوش فكان الإمبراطوراليوناني البيزنطي الأرثوذكسي رومانوس الرابع (الذي هزمه السلاجقة في معركة منسقرت) وبعده لجأ أيضًا إلى البابا الإمبراطور أليكسيوس كومنينوس، بحيث لا يحقّ لأشقّائنا الروم الأرثوذكس القدح بالصليبية وقد دعا إليها أباطرتهم. وسما البابا أوربانوس الثاني على الأهداف الدنيوية السياسية والعسكرية لأباطرة بيزنطة ودعا إلى حماية الحجّاج  في فلسطين. أمّا إخوتنا البروتستنت فما كانوا موجودين أصلاً في القرن الحادي عشر، ولا أتوا إلى فلسطين وبالذات القدس مهد الكنيسة وأمّ الكنائس وزهرة المدائن غير في 21 يناير كانون الأول 1842، بحيث يضعف موقفهم أمام الكنيسة الكاثوليكية التي انفصل عنها أحد كهنتها الألمان سنة 1517.

 

خاتمة

مع إحقاق الحقّ، لا يروم المرء حقدًا بل تقاربًا وإزالة لحالات سوء فهم كثيرة أبعدت، ظلمًا وبهتانًا، الكثير من أبناء الكنيسة الكاثوليكية عنها.

وبوجود النائب البطريركي الجديد للآّتين في الناصرة وهمّته، بنعمة الله وتعاون الأفاضل، نأمل تحسّن الأوضاع في المدارس والمحافل، لأنّ  المودّة تجمعنا و"الحقّ يحرّرنا"!

 

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com