عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E نجمه في المشرق

المناولة الإلهيّة نعمة أم نقمة يوسف جريس شحادة

المناولة الإلهيّة نعمة أم نقمة

يوسف جريس شحادة

  كفرياسيف  www.almohales.org

الإنسان المُتناول:

" فأيّ إنسان أكل خبز الرب أو شرب كأسه وهو على خلاف الاستحقاق فهو مجرمٌ إلى جسد الرب ودمه.ولذلك كثُر فيكم المرضى والسقام ورقد كثيرون.يا ربّ لست مستحقًّا أن تدخل تحت سقف بيتي.إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم.القدسات للقديسين.فاطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمّة. بمخافة وإيمان ومحبّة تقدّموا" ولنحبّ بعضنا بعضًا". المعنى هنا فرح النفوس ببعضها البعض ومحو كل الأخطاء لذلك قال الرب:" فإن قدّمت قربانك إلى المذبح وتذكرت أن لأخيك شيئا عليك فاترك هنا قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك وحينئذ تعال وقدم قربانك" فالمصافحة والقبلة هي صلح ومقدسة هي، ويقول بولس الرسول:" سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة" وبطرس حدّثنا عن قبلة الاحسان.

هذه النصوص من الكتاب المقدس:

والسؤال: إن تناولت بدون  استحقاق أخطئ وان لم أتناول بالكلية اهلك، كيف العمل!؟

يعلّمنا قائد المائة أنَّ الاقتراب من الربّ يجب أن يكون على غاية من الطّهارة، وبالرغم من انه كان من ذوي المناصب والوجاهة لم يخجل من كشف حقيقة أمره أمام الحشد في كفرناحوم وصرخ:" يا ربّ لست مستحقًّا أن تدخل تحت سقف بيتي".

حبّذا لو صوت قائد المائة يرشد الذين يتقدّمون إلى تناول الأسرار الإلهية ويرشد الذين يتناولون  بدون استحقاق جسد الربّ ودم السيّد الإلهيين.ولمن يتشدّق لا تدين لألا تُدان،نلفت نظره لتفسير الآباء للقول المقدس، وأسأل:" إن رأيت يا متفذلك هرطوقي سارق ألا تدينه وتنهره؟ ألم يقلب الطاولات الرب يسوع على الباعة في بيت الرب؟فلماذا الفذلكة هذه والهروب من الفسق والغش والخداع؟ كلا ،أدين إن رأيت من يفسق في بيت الرب ويخون تعاليم رب المجد ويخون التقليد المقدس، فمن يصمت على مثل هذه الأمور شريك هو في الخطيئة والجريمة وللمزيد يمكن مراجعة كتب التفسير ومن أهمها، تفسير الآباء بخمسة مجلدات وهي متوفرة في مكتبتنا.

إن قائد المائة عندما علم أنّ الربّ آتٍ إليه لم يجرؤ أن يُدخله لمنزله المادي ونحن نقرأ قول بولس الرسول:" فأيّ إنسان أكل خبز الرب أو شرب كأسه وهو على خلاف الاستحقاق فهو مجرمٌ إلى جسد الرب ودمه". ويضيف قائلا:" ولذلك كثر فيكم المرضى والسقام ورقد كثيرون". ومع ذلك تراهم يتناولون بدون ذهول وخوف متسابقين من سيكون الأول وترى احد اللاجئين بالمعنيين،يحضر بعد الإنجيل ويتقدم للتناول!ومن يدفع حتى كبار السنّ ليكون الأول وكأنّ الأول ينال الخلاص والنعمة فقط فأين هو أو هي  وقائد المائة! ومن المسؤول؟ وأين التوبيخ والتعليم ؟! ومهمّة من ؟!أليست من مهمة الخوري؟ أم همّه إرضاء النساء وكيف لا وهو:" العاشق الولهان" وكيف للخوري يكاد يختنق حين يعلن:" القدسات للقديسين" أليس بهذا إيحاء له وللمسؤولين بتنحيه قبل أن يلزم بالتنحية والخلع؟.

يتحتّم علينا أن نتعلّم من قائد المائة باعترافه أمام الرب بعدم استحقاقه .

 إنّ تناول جسد ودم الربّ دون استحقاق يدل على أنّنا:"

+ لا ندرك سموّ هذا السرّ الرهيب المقدّس.

+ لا نفحص ثقل خطايانا وآثامنا.

+ لا نفكّر في الأوّل ولا يخطر الثاني على بالِنا.

إنّ الملحد الكافر الذي يعشق على زوجته عندما يتقدّم للمناولة المقدّسة الإلهية يرى أمامه خبزا وخمرا ولكن المؤمن يغلب إيمانه على شعوره فالمناولة المقدسة هي جسد ودم الربّ الإلهيين لانّ الإيمان السّليم القويم يوصِل عيني المؤمن إلى داخل وجوهر الأشياء.

ولهذا فإنّ بطرس الرسول قد رأى وسمع وتحقّق وحسّ الرب وتحقّق من تجلّي الرب وآلامه ودفنه وقيامته وصعوده وكان يعتبر كلمة الإيمان اثبت من إدراك الحواس:" ونحن وسمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس. وعندنا الكلمة النبوية أثبت"{ أي هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت} ويضيف بطرس الرسول:" وعندنا أثبت من ذلك وهو كلام الأنبياء الذي تحسنون إذا أصغيتم إليه كأنه مصباح يضيء في مكان مظلم إلى أن ينفجر النهار  ويشرق كوكب الصبح في قلوبكم"{ 2 بط 19 :1 }.

 تفيدنا أمثلة عديدة من الكتاب المقدّس بعهديه عن تحويلات مثل الماء إلى الخمر والخمر إلى الدم.  ابتدأ المخلِّص أن يقول علانية:" أنا هو الخبز الحيّ الذي نزل من السماء إن أكل احد هذا الخبز يحيا إلى الأبد والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي ابذله من اجل حياة العالم" { يو 51 :6 } وذلك بعد سلسلة من التحويلات.

البعض وقتها لم يفهم كما البعض اليوم من الهراطقة. إنّه كيف يقدر الربّ أن يعطينا جسده ودمه وتلاميذ الربّ قالوا:" هذا الكلام صعب من  يقدر أن يسمعه"{ يو 52 :6 }. ولكن ربّ المحبّة أكّد لهم:" الحقّ الحقّ أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم" {يو 53 :6 } وبعد ذلك بارك وكسر :" خذوا كلوا هذا هو جسدي .اشربوا منه كلكم لان هذا هو دمي" { مت 27 _26 :26 }.

نعم نحن نرى الخبز والخمر ولكن المؤمن يرى جسد الربّ ودمه المقدسين فالإيمان القويم  يتغلَّب على الإحساس والرؤية المجرّدة والإيمان الذي في النفس يرينا جسد الرب ودمه المقدّسين وهذا  الإيمان بشيء غير مرئي يقودنا إلى استحقاق الطوبى لان الرب يقول:" طوبى للذين لم يروا وآمنوا"{ يو 29 :20 }. ويرشدنا لهذه القضية بولس الرسول:" أما الإيمان فهو قيام المرجوات فينا وبرهان غير منظورات" { عب 1 :11 }.

وربما يتساءل المرء، _ وديننا المحبّ لا يتناقض أبدا مع العقل والفكر _: لماذا ستر الرب جسده ودمه بالخبز والخمر؟

إن النبي موسى بعد نزوله من جبل سيناء لم يكن الإسرائيليين يستطيعون رؤية وجهه الممجّد :" وكان موسى عند دخوله بين يدي الربّ ليكلمه يرفع البرقع إلى أن يخرج ويكلم بني إسرائيل بما يؤمر به " { خر 33 :34 }.

أي بعبارة أخرى عندما كان موسى يكشف وجهه كان يصير غير مُقترب إليه والعكس حين ستر الوجه يكون { يصير } مقتربا إليه ولو إننا رأينا عيانا جسد ابن الله فائق المجد ودمه الإلهيين لما استطعنا حتى النظر فيهما وعندها تطير النفس ويرتعد الجسم فعناية الرب الكلية الصّلاح وفائقة القدرة تحجب جسد الربّ ودمه المقدسين بأعراض الخبز والخمر وبالتالي يصبحان مقتربًا إليهما ويتناولهما المؤمنون.

فإذا كان لزاما لستر وجه موسى ليقترب منه الإسرائيليون فكم بالحري ستر سر الشكر الإلهي _ الافخارستيا _ لكي نقدر أن نتناوله . فستر موسى مدرك وعندنا غير مُدرك فالبرقع كان يستر  وجه موسى وعندنا يحجب جسد ودم الرب الإلهيين.

إنّ سر الافخارستيا  لا يُدرك إلا بالإيمان وهكذا نحن نؤمن ولان هذا السرّ يتجاوز جميع حدود الطبيعة ولا تسعه الأفكار البشرية.

أما غير المؤمن فإذ يرى الخبز والخمر ناكرا الاستحالة وكهرطوقي لا يسمع قول الربّ وان سمع فلا يفهم:" هذا هو جسدي وهذا هو دمي"{مت 26:26 }. ونحن المؤمنين القويم فكرهم  عندنا كلمة الإيمان اثبت وأدقّ من القوّة البصريّة { 2 بط 19 :1 }:" وعندنا اثبت من ذلك وهو كلام الأنبياء الذي تحسنون إذا أصغيتم إليه كأنه مصباح يضيء في مكان مظلم إلى أن ينفجر النهار ويشرق كوكب الصبح في قلوبكم"

إضافة لإيماننا هذا وإيماننا بتجسد ابن البشر والاقانيم الثلاثة وولادة العذراء والحفاظ على بتوليتها قبل وأثناء وبعد الولادة نقول إننا عندما نتقدم إلى تناول الأسرار الإلهية فإننا نقترب إلى الله رب المجد طالبين الاتحاد معه ويتحتم علينا التفكير جليا من هو الله ومن نحن وكم يمقت الرب الخطية ويبغضها.

إننا متدنّسون وغارقون في حمأة الإثم والنجاسة ونعلم علم اليقين ما أعلن الرب:" يا رب بالغداة تسمع صوتي وبالغداة اتاهب لك وأترقب لأنك لست الهًا يهوى النفاق ولا يُساكنك الشرير. ولا يقف السفهاء أمام عينيك وقد أبغضت جميع فاعلي الإثم" { مز 6 _4 :5 }.

وما هي طلبات الرب من المقتربين إليه:" وقال الرب لموسى امض إلى الشعب وقدّسهم اليوم وعدًا وليغسلوا ثيابهم. ويكونوا مستعدّين لليوم الثالث فانه في اليوم الثالث يهبط الربّ أمام جميع الشعب على جبل سيناء"{ خر 11 _10 :19 }.

وإذا علمنا ما يطلبه الرب وما مصير من يتجاسر مسّ الجبل:" واجعل حدا للشعب من حوله وقل لهم احذروا من أن تصعدوا الجبل أو تمسّوا طرفه فان كل من مسَّ الجبل يُقتل قتلا. لا تمسه يد بل يرجم رجما أو يرمى بالسهام بهيمة كان أو إنسانا  لا يُبقى عليه. وإذا نُفخ في البوق جاز لهم أن يصعدوا"{ 13 _12 :19 }.

فنحن لا نقترب إلى الجبل بل إلى الله. ونتناول جسد ابن الله ودمه فأي استعداد نعمل؟! هل نطهر نفسنا بالتوبة؟ وهل نغسل قلبنا ونجاساته هل نستعدّ قبل المناولة بالصوم؟ وهل نعمل ما يرضي الله!

لو انك أيّها المتناول جسد الربّ ودمه الإلهيين ترى الربّ جالسا على عرشه ومن حوله السرافيم وترى في يد الكاهن الجمرة التي يأخذها بالملقط ويمسّ فاك فتصرخ: ويل لي أنا الشقي لأنني وأنا إنسان خاطئ ودنس وقذر الشفتين أتناول جسد ودم ملك المجد وربّ الصبؤوت  إنّنا لا نشاهد ولا نعلم ما يحدث لمن يتجاسر على تناول بغير استحقاق ولنقرأ أيها المسيحي بهذا الشأن { 2 مل 7 :6 }:"فاشتد غضب الرب على عزة وضربه الله هناك لأجل جسارته فمات هناك عند تابوت الله".فكيف خوري خائن قيم ذبيحة!؟

وما أصاب عزيّا { 2 أيام 19 :26 }:" فيحنق عزيا وكانت في يده مجمرة للتقتير وعند حنقه على الكهنة لمع البرص في جبهته قدام الكهنة في بيت الربّ وهو على مذبح البخور". وما جرى لكاهنين عديمي الورع حفني وفنحاس عند حملهما تابوت الرب بدون استحقاق:" واخذ تابوت الله وقتل ابنا عالي حفني وبنحاس"{ 1 مل 11 :4 }.

وهل من يظن أن ربّ المجد بما انه لا يظهر جهارا في سر الافخارستيا كما ظهر قديما ما عاد يؤدّب غير المستحقين كما كان يعاقب في سالف الزمان ! ولذا بولس الرسول يقول:" نستهين بلطفه وإمهاله وطول أناته والويل لعملنا هذا"{ رو 5 :2 }. " ولكنك بقساوتك وقلبك الغير التائب تدّخر لنفسك غضبا ليوم الغضب واعتلان دينونة الله العادلة  { 1 كو 29 :11 }:" لأنّ من يأكل ويشرب وهو على خلاف الاستحقاق إنما يأكل ويشرب دينونة لنفسه إذ لم يميّز جسد الربّ " وهذه الدينونة { 1 كو 30 :11 }:"  ولذلك كثر فيكم المرضى والسقام ورقد كثيرون".وأيضًا { رو 6 :2 }:" الذي سيكافئ كل احد بحسب أعماله" ويقول لنا ربّ الكون {لو 27 _26 :13 }:" حينئذ تبتدئون تقولون إنا أكلنا وشربنا أمامك وقد علّمت في شوارعنا أقول لكم إني لا أعرفكم من أين انتم. ابعدوا عني يا جميع فاعلي الإثم. هناك يكون البكاء وصريف الأسنان إذ ترون إبراهيم واسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله وانتم مطرودون إلى خارج".

أيجوز أن رب المحبّة والسلام والتسامح والذي مات من اجلنا ، أيجوز أن يحرمنا من جسده ودمه المقدسين الإلهيين؟! ألا يقول لنا { 1كو 28 :11 }:" فليختبر الإنسان نفسه وهكذا فليأكل من هذا الخبز ويشرب من هذه الكأس".

إذا نحن الحكم على أنفسنا لأنَّ مَن مِن الناس يعرف أمور الإنسان { 1 كو 11 :2 }:" فانه مَن مِن الناس يعرف ما في الإنسان الذي فيه فهكذا لا يعلم احدٌ ما في الله إلا روح الله".

لذا قبل أن نقترب من المناولة الإلهية يجب أن نمتحن نفسنا ونفحص أعمالنا وإذا علمت أن { مز 20 _19 : 49 }:" أطلقت فاك للشرّ ولسانك نسج المكر. جلستَ فتكلمت على أخيك ولابن أمك وضعت شكًّا".

عندما نقترب من المناولة يعلن الكاهن: " القدسات للقديسين" ولكن  من منّا  "  قدّيس" من يكون طاهرا من الدنس. لا أحد. ولو كان عمره على الأرض يومًا واحدًا  { أي 5 _4 :14 }:" من يأتي بطاهر من نجسٍ. لا احد فإذا كانت أيّامه محدودة وعدد شهوره معيّنًا عندك وقد قضيت له إجلالا لا يتعدّاه".

والسؤال ما العمل؟!

إن تناول الأسرار الإلهية ضروري جدا لترسيخ الإيمان وتوطيد أعمال الفضيلة لان رب المحبة يقول:" إن أكل احد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد والخبز الذي سأعطيه أنا هو جسدي لحياة العالم" { يو 52 :6 }.

  إن تناولت بدون استحقاق اخطىء وان لم أتناول بالكلية اهلك، كيف هذا وما العمل؟!

أن نتناول باستحقاق. وكيف؟ " امتحن ذاتك ونفسك" :" ولذلك يقول استيقظ أيها النائم وقم من بين الأموات فيضيء لك المسيح".

وما المعنى! تُب كما تاب منسّى. اترك الآثام كما فعل زكّا. طهّر نفسك أي تقدم لمحكمة الرب الروحاني واعترف بخطاياك كالزانية.

التوبة والندامة والابتعاد عن الخطيّة والاعتراف تطهّر جميعها من الخطايا وقال صاحب المزامير:" ابدي لك خطيئتي ولا اكتم إثمي قلت اعترف للرب بمعاصيَّ وأنت غفرت إثم خطيئتي" { مز 5 :31 }.

استعد قبل أن تتناول بثلاثة أيام على الأقلّ بالصلاة والصوم والصدقة ثم تقدّم بإيمان وورع وخوف قائلا:" يا ربّ لست مستحقًّا أن تدخل تحت سقف بيتي". وهكذا تكون المناولة لأسرار المسيح الإلهيّة تقديسًا للنفس والجسد واتحادا تاما مع الله.

المناولة من الخوري الفاسق:

يقول القديس مكسيموس في كيف يكون الكاهن:" يجب أن يكون الكاهن قدّيساً نفساً وجسداً، وعمود نور ينير الكنيسة التي هي شعب الله،وأن يكون أنقى من أشعة الشمس لئلا بتركه الروح القدس مقفراً.

 إن الكهنوت يصير على الأرض إلاّ انّ له رتبة الطغمات السماوية . فانَّ لا ملاك ولا إنسان ولا قوَّة أخرى مخلوقة تستطيع أن تجريه وتتّمه بل الروح الكليُّ قدسه هو الخدمة بالذات. والكاهن إنّما يتمّم خدمة الملائكة لأجل ذلك يجب على كل الحائزين على درجات الكهنوت المختلفة أن يتصوَّروا وهم يكملون الخدمة أنّهم واقفون مع الملائكة في السماء أمام الله ولذلك يطلب منهم أن يكونوا طاهرين أنقياء كالملائكة أو علمتم أنه لولا مؤازرة نعمة الله مؤازرة عظيمة لما استطاعت نفس بشرية قطٌ أن تصمد أمام نار تلك الذبيحة الهائلة لأنه إن كان ليس في استطاعة أحد أن يعرف ماهية الإنسان المركّب من لحمٍ ودمٍ، فكيف يمكن الدنوُّ من الطبيعة المغبوطة المتفوّقة في الطهارة والنقاوة؟ من يتأمّل في هذه الحقائق يستطيع أن يُدرك تمام الإدراك مقدار الكرامة التي للكهنة والتي إنما أُهّلوا لها بنعمة الروح القدس. فالكهنوت خدمة جليلة سماوية إلهية. هكذا احتسبه الآباء القديسون المتوشحون بالله فوقروه جداً واحترموه وقالوا إنه لا يجب ولا يليق أن يُمنح إلاّ للقديسين فقط. ولذلك يجب على كل كاهن أن يمتحن نفسه  فإذا رأى أنه غير مقدَّس وغير طاهر فليندم ويتب بدموع حارَّة. وإلا فليهرب بعيداً من الخدمة لئلا يحترق نفساً وجسداً ثم إن الكهنوت هو بهذا المقدار أعلى وأجلّ من الُملك بمقدار الفرق الموجود بين النفس والجسد. فيجب على الكهنة الذين يمارسون الخدم الكهنوتية الرهيبة أن يبذلوا جهدهم في تطهير نفوسهم حتى من أحقر وأقلّ التخيُّلات النفسية ومن ثم يقدمون على الخدمة. متشبهين على قدر استطاعتهم بالساروفيم والشاروبيم يوجد بعض كهنة لا يسلكون بمقتضى القوانين والشرائع الإلهية لا قولاً ولا فعلاً ولا فكراً لكنهم مشغوفون بمحبة المجد والشرف ولا همّ لهم إلاّ أن يحترمهم الناس ويبجلونهم. ولكن أمثال هؤلاء الكهنة ولحسن الحظ لم يستطيعوا ولن يستطيعوا أن يخلّصوا أنفسهم ولا غيرهم. آخرون صاروا كهنة لأنّهم كسالى ولا طاقة لهم على الشغل والعمل اليدوي ولم يستطيعوا أن يدبّروا أمور معيشتهم. وهنالك آخرون دون أن يقدّروا عظم الضرر الذي يلحق بالكنيسة، ودون أن يدركوا عظم أهمية هذه الخدمة الإلهية، قد تجرَّأوا على الدخول إلى المذبح المقدس دون أن يكونوا حائزين على شيءٍ من المؤهلات من علمٍ وأدبٍ وأخلاق. وإذ لم يقدروا أن يقدّروا هذا السرّ الرهيب حقَّ قدره راحوا يزعمون أنّ الكهنوت إنّما هو جرأة وجبابرة.

آخرون كانوا فاضلين أأتقياء أعفاّء إلى درجة القداسة ولكنّهم لمّا ارتقوا إلى درجة الكهنوت اعتزُّوا بهذه الرتبة فوضعوا كل ارتكازهم عليها وكل ثقتهم بها فخدعوا وتراخت عزائمهم وتهاونوا في ممارسة الفضائل التي كانوا يمارسونها قبلاً، بل توغلوا في الملاذ وارتكب الذنوب فعوقبوا عقاباً شديداً. آخرون يخدمون المذبح بتواضع وبضمير طاهر فيحظون بالمكافأة من الرب لقاءَ ذلك. فمن يخدم عن غير استحقاق هو يهوذا ثانٍ. وهو خائن. لان داتان وابيروم قد انشقَّت الأرض وابتلعتهما حيين، لأنهما تجرَّأا على التبخير في هيكل الرب عن غير استحقاق، فكم بالحري يكون أكثر إجراما من يطأ جسد المسيح المخلّص ودمه! لا مراء أن مثل هذا سوف يُعاقب بأشنع العقوبات ويُقاصُّ بأشدَّ القصاص.

   فالكاهن الصالح الحقيقي يجب أن يكون تقياً حكيماً محباً للتعليم متواضعاً غير مدمن الخمر ضابطاً نفسه ولسانه غير حقود ولا بخيل بل رحيماً محباً وعلى الخصوص للغرباء. يجب أن يكون محباً للجميع كباراً وصغاراً ومسالماً الجميع. وأن لا يأخذ رباً ممن يقرضهم وان لا يجدّف ولا يحرم ولا يلعن، ألاّ يكون تاجراً لئلا ينطق بالكذب، ألاّ يدخل مع آخرين في مخاصمات ومنازعات، ألاّ يتعظم ويستكبر، ألاّ يستعمل المزاح ليضحك الآخرين، ألاّ يكون مهذاراً وألاّ يتكلم إلاّ بالكلام المفيد والنافع لسامعيه مسترشداً بآيات الكتاب الإلهي، ألاّ يكون شرهاً ولا شهوانياً لئلا يحزن الروح القدس. وان لا يجاوب سائليه بغضبٍ وبكلام ملغوز وتكبّر بل بروح التواضع نحو الجميع، ألاّ يتبرَّج ويتزَّين، أن لا يحسد نجاح الغير، أن يسامح من يشتمه من كل قلبه أمام الجميع وقبل غروب الشمس، أن يفحص الذين يسقطون في الخطايا بوداعةٍ ويوبّخهم بمخافة الله. لا يجب أن يكون عثرةً أو سبب شكٍ لأحدٍ غنياً كان أو فقيراً.

جميع هذه الأمور التي ذكرناها يجب على الكاهن أن يحافظ عليها بكل دقَّةٍ وبغاية الانتباه ليتسنّى له بداّلة وبقلبٍ طاهر أن يعلّم آخرين أيضاً. فان تهاون بما ذكر ولم يحفظه جيداً لفائدة الذين يتعلَّمون منه وبنيانهم فالأوفق له أن يعلِّق في عنقه حجر الرُّحى ويزجَّ في البحر لأنه خالف ناموس المسيح واستهان بتعليمٍ كهذا.

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com