عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E التراث العربي المسيحي

الهرطقة المسكونية

الهرطقة المسكونية

الأصول – التوقعات – خيبة الأمل

1. المسكونية: نتاج البابوية والبروتستانتية، وهي تمويه للتغرّب عن الكنيسة الحقيقية.

بدأت المسكونية في حضن البروتستانتية في بداية القرن العشرين كمجهود لاسترجاع وحدة العالم البروتستانتي المتشتت في مجموعات وتفرّعات لا تُحصى. ليس للمسكونية علاقة بكونيّة (ecumenicity) الكنيسة وجامعيتها، المحفوظتان بشكل كامل، جغرافياً وكنسياً، في الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية، أي الكنيسة الأرثوذكسية، المستمرة على الإيمان الذي كان دائماً وفي كل مكان وللجميع. إن وجود هرطقات لا يبطل وحدة الكنيسة ولا كونيّتها أو جامعيتها. تستمر الكنيسة في كونها واحدة وكونية. الهرطقات والانشقاقات، مثل "كنائس” الكثلكة والبروتستانتية في الغرب و”كنائس” غير الخلقيدونيين في الشرق، ليست الكنائس المحلية الشرعية أو الأصيلة في هذه الديار. تستعيد هذه الكنائس الوحدة والجامعية وتكوّن كنائس حقيقية، عندما تعاود الاتّحاد في إيمان الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة وحياتها. فالكنيسة الأرثوذكسية الجامعة ليست الكنيسة الحقيقية فحسب، بل هي الكنيسة الوحيدة. وعليه، فإن مجلس الكنائس العالمي، منذ بداياته إلى اليوم، هو مركَبَة المسكونية البروتستانتية، وهو بالمعنى الكنسي الصحيح "مجلس هرطقات وانشقاقات عالمي”.
لقد حادت البابوية عن وحدة الكنيسة وجامعيتها منذ بداية الألفية الثانية مع انشقاق 1054 وتبنيها هرطقتي "انبثاق الروح القدس” و”أولية البابا”. إن كنيسة روما الأرثوذكسية سابقاً، التي أفرزت قديسين كثيرين وشهداء ومعترفين، قد أُغرِقَت في الهرطقة والضلال. وبقطعها عن الكنيسة الواحدة الحقيقية، وكأسيرة للسكولاستيكية ومطامح البابوات الدنيوية، لم تفشل كنيسة روما المحلية في الحفاظ على المسيحية الغربية موحّدة وحسب، بل أصبحت مصدراً للكثير من الهرطقات الجديدة والانشقاقات، كمثل الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر بأشكاله المختلفة، الأنكليكانية والكثلكة القديمة. لقد حرّفَت الميزة الإلهية-البشرية للكنيسة، واستبدلتها بمؤسسة بشرية ذات سيطرة كاملة على المؤمنين، وقادت إلى إبطال مسيحية (de-Christianization) أوروبا وكنسيتها. لقد وافق المتحدثون والحضور على التحديد الأكثر ملاءمة للمسكونية الذي تركه لنا القديس يوستينوس بوبوفيتش: "المسكونية هي الإسم الشائع للمسيحيات الزائفة ولكل الكنائس الزائفة في أوروبا الغربية. فيها يوجد قلب كل الإنسانويات الأوروبية، مع البابوية رأساً لها. وكل هذه الإنسانويات الزائفة، كل هذه الكنائس المغشوشة ليست سوى هرطقة تلو الأخرى. اسمها المشتَرَك، بحسب الإنجيل، هو الهرطقة الشاملة”. (1)
إن محاولات الوحدة بين روما والقسطنطينية على مدى خمسة قرون، منذ الانشقاق إلى سقوط القسطنطينية عام 1453 بيد الأتراك، إضافةً إلى الحوارات اللاهوتية المرافقة، فشلت جميعاً لأنّها لم تكن مقرونة بتوبة حقيقية واستعداد لإنكار الضلال والعودة إلى الكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية. إن التدابير والتسويات في شؤون الإيمان من أجل تحقيق الوحدة كانت تُرفَض دوماً من ضمير الشعب المؤمن اليقِظ الدائم الانتباه. بالرغم من جداول البرامج الدنيوية الواضحة والتلاعب السياسي، فإن هذه المحاولات لم تنتهي أبداً بالقبول بالحد الأدنى العقائدي، ولا بالتسوية التوفيقية والكلام الدنيوي عن المحبة، كما انتهت حوارات القرن العشرين المسكونية. لقد ساد المبدأ الرسولي والآبائي بأنّ "ليس من مكان للمساومة في أمور الإيمان”.
ما عجزت البابوية عن إنجازه في قرون، قد تمّت محاولته، منذ بداية القرن العشرين بالمسكونية البروتستانتية. وبدورها دعمت المسكونية البابوية هذه الجهود منذ المجمع الفاتيكاني الثاني (1963-65). كلا البابوية والبروتستانتية يخسران بشكل مستمر لسلطتهما واعتبارهما في أميركا وأوروبا ومختلف أنحاء العالم. وتحاولان، من خلال العمل المسكوني، حماية نفسيهما، حجب انعزالهما وبعدهما عن كنيسة المسيح الواحدة الحقيقية، وتقوية أعظم الهرطقات الكنسية، أي القائلة بأنّ الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية غير موجودة، وبأنّها توقفت عن الوجود، وبأن كل الطوائف المسيحية تحمل بعض أوجه الكنيسة، بشكل لا يستدعي من مؤمنيها أن يقلقوا ولا أن يهتموا بالبحث عن الكنيسة الحقيقية ولا عن خلاصهم.

2. لا تتوافق الحجج المُقَدَّمَة لدعم مشاركة الأرثوذكس مع حقيقة الأمور، لا بل ثَبُت أنّها خاطئة

ما يدعو للأسف، هو أن الكنيسة الأرثوذكسية، تِبعاً للمبادرات الطائشة من البطريركية المسكونية، قد تورّطت منذ بداية هرطقة المسكونية الشاملة، بما لها من نتائج خطيرة تتعلّق بالخلاص. فمع المنشورات المعروفة في 1902، 1920و1950، دخلت البطريركية المسكونية في الحالة السائدة وبالواقع اتّخذت فيها دوراً أمامياً. لقد تغّير موقفها الموقَّر الرسولي الآبائي من الهرطقات والإنشقاقات بشكل جوهري منذ 1902 تحت ضغط الأحداث السياسية العالمية. بالواقع، منذ زمن البطريرك أثيناغوراس إلى اليوم صار موقف كنيسة القسطنطينية الرسمي، الذي انشدّت إليه باقي الكنائس المستقلّة الواحدة تلو الأخرى، مع أن أغلبها بالأصل واجه تلك المبادرات بتردد وتحفّظ حتى منتصف القرن العشرين. في المؤتمر، صار واضحاً من مختلف المساهمات والمناقشات أن ما حثّ الكنائس المستقلّة على المشاركة في الحركة المسكونية لم يكن اهتمامات روحية بل سياسية واجتماعية وقومية. بمشاركتها، سعت كلٌّ من الكنائس بمفردها إلى ضمان الحماية والدعم من الغرب المسيحي، أو لتلافي غضبه، تماماً كما كان يجري عند مجامع الوحدة في زمان الحملات الصليبية وقبل سقوط القسطنطينية بقليل.
بسبب غياب المحرّك الروحي واللاهوتي، لم تصل الكلمة الإنجيلية الأصيلة والحقيقة الخلاصية إلى غير الأرثوذكس، وبالطبع لن يعترف بهذا داعمو الحركة المسكونية، بالرغم من أن بينهم، على نحو لا يمكن إنكاره، شخصيات لاهوتية بارزة ذات اهتمامات كريمة وشهادة أرثوذكسية، خاصةً في مراحل من العمل المسكوني الأولى. لتبرير مشاركة الأرثوذكس في الحوارات اللاهوتية الثنائية أو الجماعية في ما يُعرَف بمجلس الكنائس العالمي، تمّ اللجوء، حاضراً وفي الماضي، إلى حجتين أساسيتين، لاهوتية وروحية: إظهار المحبة لغير الأرثوذكس والشهادة للإيمان الأرثوذكسي. المحبة، في كل الأحوال، لا يمكن فصلها عن الحق. في حال لم يتواجد حوار المحبة مع حوار الحق ولم يؤدِّ إلى لقاء معه وقبول بالحقيقة الخلاصية التي هي المسيح وكنيسته، يصبح حوار المحبة شركاً خطراً يقود إلى لامبالاة (indifference) توفيقية وانفصالية عن وحدة الإيمان وشركة الروح القدس، أي أنّه يفصل الإنسان عن الخلاص. لا يوجد ما هو أسوأ من الحرمان من الخلاص، وعمل المحبة هو الأمر الوحيد الذي لا يمكن اعتباره حرماناً للخلاص. أيمكن للمحبة أن تكون ضد الحق؟ الهرطقة هي غياب الحقيقة، الخديعة، تسلّط الشيطان، الحقد، محبة البهتان وتمزيق حقيقة الكنيسة. في الحوارات المسكونية، تُستَعمَل كلمة محبة بغزارة فيما الحقيقة مفقودة، لقد اعتُبرَت الحقيقة كموضوع للبحث، غير موجود في أي من الكنائس. الكنيسة المسيحية الجامعة ليست في حالة بحث عن الحقيقة بل هي تمتلكها. وينبغي عليها إعطاؤها بمحبة إلى غير الأرثوذكس المحرومين منها أو الذين شوهوها. الحق أرفع من المحبّة، كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: "إذا رأيتم التقوى تتألّم في مكان ما، لا تقدّموا الاتفقاق (homonoian) على الحق، بل التزموا بشجاعة حتى إلى الموت… ولا تخونوا الحق في أي مناسبة” (2). إلى هذا، هو ينصح مشدداً: "لا تقبلوا أي عقيدة منحولة تحت ستار المحبة” (3). العمل المسكوني هو في خانة الخطيئة البغيضة، فهو في آن واحد ينكر الحق، الذي كافح كثيرون من غير الأرثوذكس لإيجاده، كما يسعى إلى إغلاق الباب أمام كل الساعين إلى الحقيقة. في الواقع، تنطبق كلمات المسيح إلى الفريسيين على المسكونيين أيضاً: "«لكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ قُدَّامَ النَّاسِ، فَلاَ تَدْخُلُونَ أَنْتُمْ وَلاَ تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ” (4).
لكن "شهادة الإيمان” المنشودة، حتى ولو شكّلت أملاً وتوقعاً جيدين، إلا إنّه بالحقيقة قد ثبت زيفها. في كل الأحوال، لا يمكن للإنسان أن يفترض أنّه سوف يشهد للإيمان الأرثوذكسي ويبشّر به، إذا كانت البداية خيانة الإيمان. إن مجرد المشاركة بمجلس الكنائس العالمي والحوارات اللاهوتية مع الهراطقة من بابويين وبروتستانت وأتباع المشيئة الواحدة، يشكّل إنكاراً لفرادة الكنيسة، ومساواة تضع الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية في الخانة نفسها مع الهرطقات والانشقاقات. وكما ذُكِر، إنّها الهرطقة الإكليسيولوجية الكبرى في تاريخ الكنيسة. لقد سأل الطيب الذكر إيريناوس ميتروبوليت ساموس، تعبيراً عن موقفه وموقف الكثيرين من الرؤساء: "كيف يمكن لرؤساء الكهنة الأرثوذكس أن يشاركوا في منظمة إكليسيولوجية يُنبَذ فيها الثالوث القدوس، يؤمن المشاركون بأنّ كنيسة المسيح مبعثرة إلى أجزاء، أنّ كلّ هرطقة هي جزء من الكلّ، وبأنّ الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية هي مثل غيرها أحد الأجزاء لا غير؟” (5) بالحقيقة، لا يوجد أي واحد من الرسل القديسين ولا آباء الكنيسة، يمكن استعمال تعليمه وحياته وأعماله كمثال لتبرير عضويتنا وما هو أبعد من ذلك، بقاءنا في مجمع غير شرعي من الهراطقة، كمثل "مجلس الكنائس العالمي”، وما يماثله من المجالس والتجمّعات.
إن ثمار العمل المسكوني هي الشر، كما كان جذوره وما زالت: "فالشجرة تُعرَف من ثمارها” (6). لقد تواجد العمل المسكوني منذ حوالي القرن، وقد كشف بوضوح عن هويته، وبإمكاننا بكل ثقة أن نحكم عليه. بالواقع، حتى أبطاله الأرثوذكسيون ذوو الضمير الحي قلقون حيال مجرى الأمور والطريق المسدود الذي بلغه؛ إنهم يحاولون إيجاد شتّى الطرق لمنع انسحاب الكنائس الأرثوذكسية (هذا الخروج قد بدأ وهو ماضٍ ليقوى وينتشر). في المؤتمر، تحدّث عدد غير قليل من المحاضرين عن الثمرة المدمّرة للحوارات اللاهوتية والاشتراك في مجلس الكنائس العالمي.
قبل أن نعرض باختصار نتائج الحوارات اللاهوتية، من المهم أن نشير إلى الرأي الذي عبّر عنه المحاضرون والمشاركون وهو أنّه منذ ولادة الحركة المسكونية وانتشارها مع حضور الأرثوذكس في "مجلس الكنائس العالمي” لحوالي الستين سنة، لم ينجح المسكونيون بضمّ ولا شخص واحد إلى الإيمان الأرثوذكسية. في المقابل، حصلت انضمامات بالرغم من الاتجاه السائد بين المسكونيين بأنّه ينبغي أن يبقى الكلّ في طوائفهم، بانتظار الوحدة المتوقّعة بين "الكنائس”. لقد رفض بعض أساقفة الشتات استقبال غير الأرثوذكس الراغبين بالانضمام إلى الكنيسة الأرثوذكسية. إذاً ما هو أساس هذه الدعاية للشهادة للإيمان الأرثوذكسي؟ على العكس، بدل الشهادة للحق، نحن نشارك في الشهادة للهرطقات والضلال. لقد نتج عن هذا التصادق الطويل الأمد مع الهراطقة، الفريد في تاريخنا الكنسي، تغرّب عن الفكر الأرثوذكسي وتعتيم له، حتى أنّ إكليريكيين ولاهوتيين يوقّعون براحة بال على النصوص التي تنتج الحوارات التي فيها تُداس وتُنتَهَك العقائد الرسولية والآبائية، وحيث تُقَدَّم الهرطقة على أنّها الحقيقة، وحيث يبدو الهراطقة مستقيمي الرأي، ويُعتَرَف بأصالة معموديتهم وغيرها من الأسرار. وهكذا، خطوة خطوة نتقدّم من الصلوات المشترك إلى الشركة في الأسرار.

3. الحوار مع الكاثوليك غير مؤاتٍ للأرثوذكس وضار بهم

لنبدأ مع البابوية، لقد لوحظ أنّ الحوار اللاهوتي ذي العشرين عاماً قد بدأ باستعمال منهجية غير مسبوقة مفاده الابتداء بالأمور التي توحّد وليس من الأمور التي تقسّم. لقد نتج عن هذا إراحة بال الصادقين في روما حتى لا يعودوا يسعون إلى الحق في مكان آخر. فبما أنّه لا يوجَد فروقات والجميع ينتمون إلى الكنيسة، صار كهنة البابوية قادرين على تبرير الاجتماعات والصلوات المشتركة مع الأرثوذكس في وسائل الإعلام، وبذلك يعززون النمط الاتحادي، المخزي والقاصر، بين الجماهير الأرثوذكسية مستفيدين من كون هذه الجماهير مسلوبين ومثقَلين بالأحداث السياسية والاجتماعية التعيسة. الاتحادية، على الرغم من كونها مسؤولة عن انهيار الحوار اللاهوتي، ما زالت تتمتّع بدعم الفاتيكان بطرق متنوّعة. لقد ركّز عدد مهم من الأوراق في هذا المؤتمر على تطورات الاتحادية التاريخية ونشاطاتها الحديثة، مع الاستنتاج بأن روما لم تتخلَّ عن طموحاتها الاقتناصية والتوسعية ما يؤذي الكنيسة الأرثوذكسية التي تسمّيها وتقبلها رياءً ككنيسة "شقيقة”. في الوقت الذي تناقش فيه روما وتحاور، تمدّ يدها طمعاً إلى الرعايا الأرثوذكس وتؤسس أسقفيات وسلطات بهدف الاقتناص داخل الأراضي الأرثوذكسية ولا تخفي رغبتها في اكتساب مزيد من الحقوق على أماكن الحج في الأراضي المقدسة. إلى هذا، روما لا تقبل أبداً إدانة الاتحادية التي تمّ التوقيع عليها بالإجماع في اجتماع مشترك للاهوتيين الأرثوذكس والبابويين، أعضاء "اللجنة العالمية للحوار اللاهوتي بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية” خلال الاجتماع السادس للجنة التحضيرية في فريزنغ، موناكو (6-15 حزيران 1990). هذا دليل واضح على درجة احترام روما واهتمامها بنتائج أي حوار يخالف طوحاتها. ولإسقاط هذه الإدانة كلياً، أدخلت روما الأرثوذكسيين في مناقشات جديدة لهذا الموضوع في البلمند، لبنان (17-24 حزيران 1993)، وفيه بُرِئَت الاتحادية وشُرِّعَت بتواقيع ممثلي تسعة من الكنائس المستقلّة (القسطنطينية، الاسكندرية، انطاكية، روسيا، رومانيا، قبرص، بولندا، البانيا، وفنلندا). فيما رفضت ست كنائس منهجية هذه المقاربة ولم تشارك (أورشليم، صربيا، بلغاريا، جورجيا، اليونان وتشيكوسلوفاكيا).
مع ذلك، فالأهم في اتفاقية البلمند ليس في تبرير الاتحادية وتشريعها، بل في التسويات الخطيرة التي قدّمها ممثلو الكنائس في شؤون الإيمان. لأوّل مرة، وانتهاكاً ليس فقط للتقليد الآبائي المقدّس والثابت منذ قرون، بل أيضاً للبيانات والتصريحات المعاصرة، أنكر اللاهوتيون الأرثوذكس أن الكنيسة الأرثوذكسية هي الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة والرسولية، واعترفوا بأنّها مع الكنيسة الكاثوليكية تشكّل الكنيسة الواحدة، ومعها هي مسؤولة عن حفظ الكنيسة بإخلاص للتدبير الإلهي. وعليه على الرعاة الأرثوذكس والكاثوليك أن يتبادلوا الاعتراف ببعضهم البعض كرعاة حقيقيين لقطيع المسيح. إلى هذا، يحوي النص اعترافاً متبادلاً بالأسرار والتسلسل الرسولي والاعتراف بالإيمان الرسولي. بعد اتفاقية البلمند، حيث بالمبدأ تمّ التوقيع على نوع جديد من الاتحادية، صارت زيارات البابا مبررة إلى الكنائس الشقيقة في رومانيا، بلغاريا، جورجيا واليونان. كما أنه صار مبرراً، على المنوال نفسه، أن يقبل اللاهوتيون الأرثوذكس ما يُعرَف بـ "اللاهوت التعميدي” العائد لمجمع الفاتيكان الثاني. بحسب هذه النظرية، تصبح المعمودية التي يقوم بها الهراطقة خارج الكنيسة شرعية. فوق هذا، المعمودية هي ما يحدد حدود الكنيسة وليست الكنيسة مَن يجعل المعمودية شرعية. بالمعمودية، كل المسيحيين، إلى أي كنيسة انتموا، يصبحون أعضاء في كنيسة المسيح. لهذا السبب، مُنِعَت، في نص البلمند، إعادة تعميد الهراطقة التي كان الأرثوذكسيون يمارسونها. في أي حال، من الأوراق التي قُدِّمَت في المؤتمر والمناقشات التي رافقتها، اُقيم الدليل على أنّه خارج الكنيسة لا تكون نعمة الروح القدس الخلاصية فعّالة، وبالتالي أسرار غير الأرثوذكس ليست شرعية ولا موجودة. بحسب الحكم بالدقة، يجب تعميد غير الأرثوذكس الآتين إلى الكنيسة الأرثوذكسية.
إلى هذا، لقد تمّ توضيح أنّ "الحركة الليتورجية”، التي يتمّ تعهدها لسنوات في حضن البابوية والتي تبنّاها مجمع الفاتيكان الثاني (1963-65)، قد أثّرت بطريقة مماثلة على الإكليروس واللاهوتيين الأرثوذكس. فتحْتَ غطاء "الإصلاح الليتورجي” يهدف الفاتيكان إلى ضمّ الأرثوذكس تحت البابا بحسب النموذج الاتحادي. بعد تهيئة الطريق نفسياً لقبوله، حاول هذا التيار تدريجياً أن يفرض عبادة "حيادية” عقائدياً، أي بدون أي إشارة إلى العقائد أو الهرطقات أو القديسين المعترفين، حتى تكون الوحدة الجديدة مقبولة من الجميع. يمكن فهم مخطط تنقية النصوص الليتورجية المُقتَرَح في هذا الضوء.

4. المشاركة في "مجلس الكنائس العالمي” والحوارات مع البروتستانت

بالإشارة إلى "مجلس الكنائس العالمي” والحوارات اللاهوتية مع الطوائف البروتستانتية، اللوثرية، الأنكليكانية والمصلحين، وغيرهم، لقد لوحظ أن الوضع مغمّ بالمقدار نفسه، لا بل وأكثر. لقد أُخزيَت الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية وتُفِّهَت بمشاركتها في "مجلس الكنائس العالمي” وأنزِلت مرتبتها إلى جعلها قسماً وجزءً من تجمّع متعدد الأعضاء من الهرطقات والانشقاقات. عملياً، لقد جعلها هذا "الاختزال الحسابي” غير موجودة في التصويت وبالتالي استبعد كل إمكانية لديها لامتلاك صوت حاسم في مختلف الاجتماعات. وأكثر من ذلك، لقد شجّع الليبراليين البروتستانت إلى ولوج ومناقشة أمور تنكر إنجيل الكنيسة وتقليدها، وحتى المسيحية نفسها. من بين هذه الأمور: سيامة النساء، زواج المثليين والمشاركة في التعبيرات المختلفة عن الإيمان والعبادة الوثنيين.
إن هذا الارتداد البروتستانتي عن الإيمان والحياة المسيحيين يثبت بشكل لا يقبل الجدل بأنّ الشهادة المفتَرَضة للإٌيمان الأرثوذكسي من خلال مشاركتنا في الحوارات اللاهوتية هي خرافة ووهم. إن ردّة الفعل على هذا الارتداد البروتستانتي كانت في أنّ عدداً من الكنائس الأرثوذكسية اتّخذت قراراً نهائياً ولا عودة عنه بالانسحاب من "مجلس الكنائس العالمي” ومن الحوارات اللاهوتية. أوّل الكنائس التي قامت بهذه الخطوة كانت أمّ الكنائس، بطريركية أورشليم القديمة الموقّرة، وتبعتها كلّ من كنيستي جورجيا وبلغاريا فيما ترددت الكنائس الأخرى في الانسحاب. اتّخذ المجمع المقدّس لكنيسة صربيا في عام 1997 قراراً بالانسحاب من "مجلس الكنائس العالمي”، وللأسف لم يُنَفَّذ هذا القرار. أيضاً، كنيسة قبرص انقسم مجمعها المقدس في إحدى جلساته، حول الانسحاب من "مجلس الكنائس العالمي” أو عدمه، ووحده صوت رئيس الأساقفة ختم القرار بالبقاء في هذا المجلس تفادياً للنتائج السياسية السلبية على دولة الجزيرة. كما أنّ كنيسة اليونان، في ظل الرئاسة الكنسية السابقة، قد عاشت قلقاً عميقاً واضطراباً بسبب الاستمرار في هذه المشاركة، والأمر نفسه في الكنيسة الروسية حيث بلغ الاهتمام إلى المؤمنين أنفسهم.
إن هذه التطورات بين الأرثوذكسيين، التي تُظهِر، ولكانت ظهرت بوضوح أكبر لو وصلت إلى تمامها، بأنّ الكنيسة الواحدة المقدّسة الجامعة الرسولية تستمرّ كشاهد مخلِص وحامٍ للإيمان والحياة الأرثوذكسيين، قد عطّلتها الفكرة التي أوحى بها عدو الخلاص الغاش القديم (الشيطان)، بأنّ الوحدة الأرثوذكسية (حول هذا الأمر) يجب ألاّ تُنتَقَص، وبأنّه ينبغي اتّخاذ القرار بشكل مشترك، بين كل الكنائس، بغض النظر عن الحقيقة المعروفة بأن قرار المشاركة لم يكن يوماً بالانسجام، فكل كنيسة اتّخذت قرارها. إن الرب يحرّم استغلال الآباء القديسين والمجامع الأرثوذكسية لاتخاذ القرارات مع الهراطقة وأصدقاء الهراطقة أو أصحاب الفكر الهرطوقي.
وهكذا، بناء لطلب كنائس صربيا وروسيا، انعقد اللقاء الأرثوذكسي في تسالونيكي بمبادرة من البطريركية المسكونية (29 نيسان- أيار 1998)، حيث جمّدت كل التطورات المتعلّقة بهذا الموضوع. بالتأكيد، نتج عن اللقاء اعتراف بحقّ الكنائس بالمعارضة واتّخاذ القرارات لكن مع البقاء في مجلس الكنائس العالمي على أمل أن تتحسّن الأمور. اعترف إعلان اللقاء بأنّ "بعد قرن كامل من الانخراط الأرثوذكسي في الحركة المسكونية، ونصف قرن من العضوية في مجلس الكنائس العالمي، لا يمكن الادّعاء بوجود تقدّم مرضٍ في الحوارات المتعددة الجوانب بين اللاهوتيين المسيحيين. على العكس، اتسعَت الهوة بين الأرثوذكس والبروتستانت بسبب تكاثر بعض النزعات في حضن بعض الطوائف البروتستانتية (اللغة الشمولية، سيامة النساء، حقوق "الأقليات الجنسية”، التوفيقية الدينية)”.
لكي يُعطى هذا القرار الخاطئ تبريراً لاهوتياً ولتقديم الحجج للمسكونيين ودعاة المسكونية، كما لتهدئة ارتباك الكنائس الأرثوذكسية، دُعي إلى عقد "ندوة علمية عالمية” في تسالونيكي في حزيران 2003، بحضور غبطة رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان خريستوذولوس. ومع أن الندوة كانت رسمياً تحت مظلّة كلية اللاهوت، إلا أن رعاتها الحقيقيين كانوا بعض الأساتذة المسكونيين في تلك المدرسة و”مجلس الكنائس العالمي” الذي أرسل ممثليه. في نتائج هذه الندوة المسكونية، طُعن اللاهوت الأرثوذكسي وديس موقفه من سيامة النساء، فيما أُسقِط تقليد الكنيسة الليتورجي المتعلّق بالصلاة المشتركة. تتحدث نتائج المؤتمر عن "ضعف الحجج اللاهوتية الأرثوذكسية ضد سيامة النساء”. أمّا في موضوع الصلاة المشتركة فيرِد "هناك صلاة مشتركة ممنوعة واحدة فقط هي الصلاة الإفخارستية”. بالواقع، إن الخلاصة التي يُتوَصَّل إليها من هذه المواقف هي، بما أننا محرومون من الحجج في موضوع سيامة النساء وبما أن الصلاة المشتركة مسموحة، مع الشواذ المذكور، إن انسحاب بعض الكنائس الأرثوذكسية من مجلس الكنائس العالمي كانت شيئاً خاطئاً ويتعذّر الدفاع عنه لاهوتياً. على هذا الأساس، وجّه المجتمعون نداءً إلى كنيسة جورجيا وبلغاريا للعودة "إلى العائلة المسكونية العالمية الكبيرة”. يبدو أنّ رئيس أساقفة أثينا وكل اليونان قد قبل هذه الخلاصة اللاهوتية السطحية التي لا أساس لها من الصحة، وقد أعلن، من دون العودة إلى المجمع بأنّه يرى "احتمالات انسحاب كنيسة اليونان من مجلس الكنائس العالمي تتضاءل”.
في ما يتعلّق بهذين الموضوعين البالغَي الأهمية، سيامة النساء والصلاة مع غير الأرثوذكسيين، فقد ورد في "المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي” الحالي، على عكس ما سبق، أفكاراً عميقة في عدد من الأوراق والمناقشات ترسّخ وتدعم استحالة سيامة النساء في الكنيسة الأرثوذكسية وتحريم القوانين المقدسة لكل أنواع الصلوات المشتركة، وليس فقط الإفخارستية. نحن نصلّي من أجل غير الأرثوذكس لكي يرجعوا إلى الكنيسة، ولكننا لا نصلّي معهم، مهما يكن.

5. الحوار مع أتباع الطبيعة الواحدة

يقدّم الحوار اللاهوتي مع أتباع الطبيعة الواحدة صورة مماثلة من كلا العقم الكامل والتنازلات الخطيرة في شؤون الإيمان، مع أنّه مؤخَّراً اعتُبِر أتباع المشيئة الواحدة، بدافع من "المحبة”، "غير خلقيدونيين”، ” كنائس ما قبل خلقيدونية”، "كنائس شرقية قديمة”، وأخيراً "أرثوذكسية” تماماً. لقد بُرهِن في هذا المؤتمر أنّ الحوار لم يوصِل إلى أي نتائج إيجابية. لقد كان هناك ثلاث بيانات مشتركة بين الأرثوذكس وغير الخلقيدونيين، لكنّها غير مقبولة من وجهة النظر الأرثوذكسية. من بين الأخطاء الأكثر إيلاماً هي المناولة المشتركة مع أتباع الطبيعة الواحدة في سوريا والتي قبلتها بطريركية أنطاكيا (1991)، اعتراف البطريركية الاسكندرية الجزئي بأسرار أتباع الطبيعة الواحدة، والاقتراحات لمراجعة النصوص الليتورجية وتحديد تيبيكون للاحتفالات المشتركة بين الأرثوذكس وأتباع الطبيعة الواحدة. على مستوى البحث اللاهوتي، لقد غرق البعض إلى درجة أن كلية اللاهوت في جامعة تسالونيكي وافقت على أطروحتي دكتوراه تثبتان أنّ ديوسقوروس وسرفيوس من أتباع الطبيعة الواحدة لم يكونا هرطوقيين أبداً، بل قد أُدينا على الأغلب لأسباب غير لاهوتية. إن هذا الأمر خارج التَصوّر لا بل هو تدنيس للمجامع المقدّسة والآباء القديسين.

6. الحوار مع الكاثوليك القدامى

الحوار اللاهوتي الوحيد الذي أدّى إلى التوقيع على المواقف الأرثوذكسية من قِبَل غير الأرثوذكسيين هو الحوار مع الكاثوليك القدامى. إن الوثائق التي تمّ التوقيع عليها تدين كلّ الأضاليل الأساسية في البابوية، التي انسحب منها الكاثوليك القدامى بعد مجمع الفاتيكان في 1870 احتجاجاً على إعلان عقيدة عصمة البابا. بالتأكيد لم تستطع روما أن تحتمل هذا التطور والذي كان بالنسبة لها سلبياً، فقامت بكل ما هو ممكن لكي ترى أن هذا الحوار الذي انتهى بنجاح لن يتقدّم إلى اتّحاد الكاثوليك القدامى بالكنيسة الأرثوذكسية. هذا كان ممكناً أن يكون المرة الأولى التي يعود جزء من المسيحية الغربية إلى جسد الكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية. لقد كان بإمكان الكاثوليك القدامى أن يقدّموا بهذا مثالاً يشير إلى طريق العودة لكل الغرب، البابوي والبروتستانتي. لكن من ناحية ثانية أخطأ الكاثوليك القدامى أيضاً في حوارهم مع الأنكليكان واتخذوا موقفاً لصالح سيامة النساء وبالتالي أنكروا كل ما كانوا قد قبلوه مع الأرثوذكس. وقد وضعوا بهذا عوائق جدية في طريق أي تقدم إيجابي.

7. الحوار الحقيقي وافتراضاته المسبقة

ختاماً، في ما يتعلّق بالحوارات اللاهوتية، لقد تمّ التأكيد على أنّ الكنيسة لا تتجنّب الحوار، فهي منفتحة على الجميع وهي تدعوهم للمجيء إليها ليخلُصوا. إنّ الموقف المسبّق الضروري والشرط الذي لا تُنتَهَك حرمته لكل حوار هو: لا تعتمد حقيقة الكنيسة الخلاصيّة على المناقشة أو المناظرة.
في حالة عجز غير الأرثوذكسيين عن فهم هذا الإطار الخلاصي، أو إنكارهم له، فينبغي عدم إطالة مدّة الحوار بل بالمقابل ينبغي ضبطها في ما هو ضروري، وكما فعل الآباء القديسون في المجامع ينبغي قطع الحوار. بهذا يُتَّبَع مثال الرب نفسه مع الذين لم يريدوا أن يفهموا تعليمه وكانوا سريعي الامتعاض: "فَقَالَ يَسُوعُ لِلاثْنَيْ عَشَرَ:«أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟» فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ:«يَارَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ” (8) إنّ في هذا الأمل الوحيد لأن يعي غير الأرثوذكس ضلالهم ويتحوّلوا اليوم إلى الكنيسة التي هي المسيح ممتداً عبر الأجيال في موقف مماثل للآية "وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ»” (9). إنّ هذا الموقف النموذجي البارز حفظه البطريرك إرمياء الثاني في رده الثالث (1581) من الحوار مع لاهوتيي توبنجن البروتستانت. فهو ما أن أدرك أنّهم مصرون على انخداعهم ويرفضون قبول تعليم الآباء القديسين، "أنوار الكنيسة ولاهوتييها”، حتى قطع المراسلات معهم وتركهم يمضون في طريقهم: "إذاً، من جهتكم، أرجو أ، تعفونا من هذه الاهتمامات. وعليه، امضوا في سبلكم؛ لا تكتبوا لنا مجدداً عن العقائد، وإذا كتبتم ففقط من باب الصداقة” (10).
في هذا المؤتمر، تمّ التشديد على أن المنهجية المتّبَعة في إدارة الحوارات المرتكزة على "ما يجمع” أي على أوجه التشابه وليس على "ما يفرّق” أي على الفروقات، هي منهجية غير ثابتة وغير مبررة وفريدة في تاريخ الكنيسة. ما قيمة مناقشة ما نقبل وما نتّفق عليه؟ في هذا نحن نقنّع الفروقات لا غير، ونخدم مصالح أخرى، نحن نخفي الهوة ونريح أصحاب النيات الحسنة من غير الأرثوذكس، كما نسهّل الاقتناص، لما فيه الأذى للأرثوذكس. على المنوال نفسه، ضروري أن تُتّخذ كل القرارات المرتبطة بالعلاقات مع غير الأرثوذكس بقوانين مجمعية، وأن يُحاط علماً بها كل جسم الكنيسة، إذ يوجد اليوم نقص خطير في المجمعية.
في الختام أطرى المجتمعون وأثنوا على فكر الكنائس التي انسحبت أو تنوي الانسحاب من "مجلس الكنائس العالمي”، كما من الحوارات اللاهوتية. هذا ما عبّرت عنه الرسالة التاريخية والأكثر أرثوذكسية التي بعثت بها كنيسة أورشليم في 22 حزيران 1992، إلى بقية الكنائس المستقلّة، وفيها أعلنت أنّها توقف الحوار اللاهوتي "مع غير الأرثوذكس بشكل عام، قناعةً بأنّ الحوار ليس فقط بلا نفع، بل بالحقيقة، مضرّ بالكنيسة الأرثوذكسية ككلّ، وبكنيسة أورشليم بوجه خاص”.

8. من التوفيقية بين المسيحيين إلى التوفيقية بين الأديان

إلى هذا، ظهر أنّ العمل المسكوني، بعد النجاح الذي حققه في الحوار بين المسيحيين وما نتج عنه من أفكار مثل "نظرية الأغصان”، "الكنائس الشقيقة” و”اللاهوت التعميدي”، تحرّك نحو الهدف التالي من "العصر الجديد” (New Age): وحدة الأديان. هنا يجد المرء الترويج للفكرة الشيطانية بأنّ المسيح ليس الطريق الوحيد للخلاص والحياة والنور والحق، بل الأديان الأخرى هي أيضاً طرق للخلاص، لكيما يُفرَض في نهاية المطاف الدين الموحّد، دين ضد المسيح، في إطار العولمة والنظام العالمي الجديد. اللقاءات المتعددة الأديان والحوارات، والتي يدعمها الرؤساء المسيحيون كثيراً وعلى نحو عريض، بمَن فيهم بعض الأرثوذكس، أدّت إلى توفيقية لا تُحتَمَل، وهي تشكّل نقضاً للإنجيل وإهانة للشهداء القديسين ولمعترفي الإيمان، الذين تُسلَب شهادتهم واعترافهم، بالحق الواحد الوحيد، من كلّ معنى فيما يُحوّل الشهداء أنفسهم إلى مجرّد "متعصبين” حمقى.

ب. الاقتراحات

بعد هذه الاستنتاجات والتقييمات، قدّم "المؤتمر اللاهوتي الأرثوذكسي” الاقتراحات التالية:
1. بعد ما يزيد عن قرن من اشتراك الكنيسة في "مجلس الكنائس العالمي” والحوارات المسيحية-المسيحية والحوارات مع الأديان الأخرى على أسس تسطّح الفروقات بين الطوائف وتساوي بين الأديان، وبعد أن صار معتَرَفاً عالمياً بأنّ هذه المشاركة غير نافعة ومضرّة، يُقتَرَح أن تنسحب الكنائس التي لم تنسحب بعد من "مجلس الكنائس العالمي” وتضع حدّاً لهذا النوع من الحوارات. لتحقيق هذه الغاية، ليس ضرورياً اتّخاذ هذا القرار بشكل جماعي إذ بالأصل، قرار المشاركة اتُّخِذ بشكل منفصل. الحوار الوحيد القابل للتبرير على أساس الإنجيل والتقليد الآبائي هو الإجابة على سؤالي: "يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟” (11) أو "ماذا أفعل لأرث الحياة الأبدية؟” (12) حين يطرحهما أشخاص غير أرثوذكسيين أو غير مسيحيين يقاربوننا طوعياً بهدف إيجاد الخلاص.
2. يُطلَب من كل الكنائس الأرثوذكسية، وقبل الكلّ كنيسة القسطنطينية الأولى بالشرف وبالمبادرة، إعادة النظر وتعديل العلاقات مع البابوية التي اعتبر كل الآباء القديسين أنها هرطوقية وليست "كنيسة شقيقة”، بدءً بالقديس فوتيوس الكبير، مروراً بالقديسين غريغوريوس بالاماس، مرقس الأفسسي، الآباء المتوحّدون نيقوديموس الأثوسي، أثناسيوس الباروسي، مكاريوس الكورنثوسي، وصولاً إلى القديسين نكتاريوس أسقف المدن الخمس ويوستينوس بوبوفيتش.
3. تُحتَرَم القوانين الكنسية المقدسة التي تحرّم الصلاة المشتركة مع غير الأرثوذكس بشكل عام، في مختلف الحالات، وليس فقط في الإفخارستيا، كما يُقتَرَح مؤخَّراً.
4. تُناشَد الكنائس الأرثوذكسية التي إلى الآن لم تسمح للبابا بزيارة أراضيها، لأن تبقى صارمة في هذا القرار. أيستطيع أحد أن يتصوّر أيّاً من الآباء يقيم الولائم لتكريم ومعانقة أريوس أو نسطوريوس أو افتيخيوس أو غيرهم؟ على المنوال نفسه، فليُمحَ من تقويم كنيسة اليونان المادة التي تسجّل زيارة البابا كحدث تاريخي، ولتُمنَع كل محاولات تكرار هذه الزيارة أو مبادلتها.
5. التحقيق بموضوع المناولة المشتركة بين بطريركية أنطاكية وأتباع الطبيعة الواحدة (اليعاقبة السوريين)، كما التحقيق في اعتراف بطريركية الاسكندرية ببعض أسرار الهراطقة (الأقباط). فليُطبَّق في هذه الحالة المبدأ القانوني: "مَن يتناول مع المقطوع فليكن مقطوعاً”.
6. تقوية وتشجيع الحوار بين الأرثوذكسيين بروح المجمعية، ولا يكون يقتصراً فقط على الأساقفة. من الجدير بالرثاء متابعة الحوار مع مختلف الهراطقة فيما تُهمَل الاختلافات في الرأي مع الإخوة، ويُقذَفون بالتعصّب.
7. توقيف وعدم تشجيع التجديدات والتغييرات الليتورجية التي تشكّل تطبيقاً لمبادئ المسكونية الساعية إلى خلق عبادة غير عقائدية، تسهيلاً لقبول الهرطقة. إلى هذا، إن الثروة الليتورجية في الكنيسة الأرثوذكسية لا تخصّ أياً من الكنائس المحلية وحدها. إنّها تعبّر عن حياة الكنيسة عبر الأجيال، ويجب الحفاظ عليها كنور العين.
8. الإعلان إلى رؤساء الكنائس في كل مكان أنّه في حال استمرّوا في المشاركة ودعم هرطقة المسكونية، ما بين المسيحيين أو مع الأديان الأخرى، فإن سلوك المؤمنين، إكليريكيين وعلمانيين، المُلزِم والخلاصي، القانوني والآبائي، هو القطع. بكلام آخر، الامتناع عن ذكر الأساقفة المشاركين في المسؤولية عن الهرطقة والضلال والمشتركين بها. هذا ليس دعوة إلى الانشقاق بل بالأحرى هو اعتراف مرضٍ لله، تماماً كما فعل الآباء القديسون، ومعهم أساقفة ومعترفون في أيامنا هذه.
9. يُعلَن بصوت البوق أن المسكونية والحوار غير المشروط مع غير الأرثوذكس وغير المسيحيين ليس نافعاً، بل هو مضر، وبالتالي ليس عمل محبة وليس سوى طريقة تفكير دنيوية. إنّ هذه العلاقات اصطلاحية وأهدافها ليست روحية بل مصالح ذاتية. إنّها تمزّق وتلطّخ الفكر الأرثوذكسي بالخلط والإرباك، ما ينتج عنه الأذى للمؤمنين، إذ بدون نقاء العقيدة، حتى في الأمور الصغيرة، لا يخلص احد. إنّ هذه الحوارات تغلِق باب الخلاص على غير الأرثوذكس وغير المسيحيين، وتحجب النظر عن رؤية المسيح كطريق وحيد للخلاص، وتعيق رؤية الكنيسة الأرثوذكسية كسفينة للنجاة، كونها الكنيسة الوحيدة. الله، في محبته غير المتناهية للبشر والعالم، يرغب في خلاص كل البشر. على العكس، الشيطان عدو الخلاص يشنّ حرباً على الإنسان بطرق متنوّعة من الحسد والحقد.
وعليه، بمحبة نحن نرفض الحوار المسكوني لأن ما نرغب في أن نقدّمه لغير الأرثوذكس وغير المسيحيين هو بالضبط ما وَهَبنا إياه الله في كنيسته الأرثوذكسية المقدّسة: الفرصة لأن نكون أعضاء جسده.

الأب بيتر هيرز عن مجلة التراث الأرثوذكسي

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

حواشي:
1]Archimandrite Justin Popovich, The Orthodox Church and Ecumenism, Thessaloniki, 1974, pg. 224.
[2]Saint John Chrysostom, On the Epistle of St. Paul to the Romans, Homily 22, verse 18, PG 60, 611.
[3]Saint John Chrysostom, On the Epistle of St. Paul to the Philippians, Homily 2, verse 10, PG 62, 191.
[4]Mathew 23:13.
[5]See P. Bratsiotos, Irenaios of Samos and the World Council of Churches, "Ekklesia” 40 (1963) 477.
[6]Mathew 12:33.
[7]See: http://sor.cua.edu/Ecumenism/19911112SOCRumOrthStmt.html for the full text in English.
[8]Jn. 6:67.
[9]Jn. 6:69.
[10]I. Karmiri, The Dogmatic and Symbolic Monuments of the Orthodox Catholic Church [in Greek], Graz, 1968, vol. 2, pg. 489.
[11]Acts 16:30.
[12]Luke 10:25 and 18:18.

 Copyright © 2009-2017 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com