عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E التراث العربي المسيحي

26/8/2009
مفهوم كنيسة المشرق _ الحلقة الثانية

مفهوم كنيسة المشرق للاهوت الاسرار حسب منظور ثيودورس المصيصي

                                            التقديم  _ الحلقة الثانية

2. 2  سقوط آدم:

من الصعب عرض فكرة ثيودوروس للطبيعة البشرية قبل السقوط لكونها غير واضحة بمجملها. ومع ذلك سوف أحاول  أن أقدم هنا وجهات نظره التي كانت أكثر تداولاً وبرهنت على أنها أكثر تأثيراً (5).

في تفسيره للرسالة إلى غلاطية، يفيد ثيودوروس على أن "الرب الإله وضعنا في الحياة الدنيا هذه، كمائتين في الحقيقة" (6). ويمضي مفترضاً أن الإنسان الأول كان قد خلق فانياً، وهذا الفناء كان أحد مكونات الطبيعة العائدة لآدم وذريته (7). وحسب افتراضه، فإن الله وفي علمه المسبق، عرف ما كان سيحل بالإنسان الأول في ما يخص عصيانه وخطيئته. وعليه فهو يؤكد بأن الخالق، في البدء أخذ في نظر الاعتبار هذه الخطيئة، وخلق آدم قابلاً للموت. وإن خطيئة آدم لم تثبط عزم الله إلى درجة أنه في لحظات من الوقت حول الطبيعة البشرية من حالة الخلود إلى حالة الفناء. وفي هذا الصدد يقول: "أنه من الواضح أن (الله) عرف أن (آدم) سوف يخطأ ولهذا السبب وبدون أدنى شك أنه سيموت. كيف إذاً، أليس جزء من الحماقة القصوى للاعتقاد بأن (الله) في البدء جعله خالداً خلال ست ساعات….، ولكن بعد أن أخطأ جعله فانياً؟ لذلك فمن المؤكد أنه إذا أراده (الله) خالداً، لم يكن من المستطاع حتى بتدخل فعل الخطيئة تغيير قرار الله. لأن (الله) لم يحول إبليس من الخلود إلى الفناء". (8).

لذلك فإن الله وبحكمته وعلمه خلق آدم فانياً منذ البداية، لذلك فبعد عصيان الإنسان (خطيئته)، وعليه سيخدم الموت في مجالين كوسيلة لمعاقبته، وبخلاف الخطيئة، وكذلك كجزء مكون من طبيعته. ويجزم ثيودوروس نظرته بفناء البشر في أماكن عديدة من مقالاته التعليمية المسيحية حول العماذ، بالرغم من استخدامه طريقة غير مباشرة، في منظور تفسيره لمغزى المعمودية كميلاد ثان روحي  خالد فإن ثيودوروس يلمح ضمناً على حالة الفناء بعد الولادة الأولى.

ولا يفكر (اليهود) كما نفكر نحن بأننا بعد (عماذنا) سوف نتحول إلى الحياة الخالدة (9)… (لأنه بعد تقبله النعمة الإلهية الروحية) سيجبل الشخص المتعمد من فان إلى خالد ومن طبيعة متغيرة إلى طبيعة ثابتة، سوف يتغير كلياً إلى إنسان جديد حسب قوة ذاك الذي جبله (10)… أننا نعمد (باسم الألوهية)، ومن خلالها نتوقع أن ننال الأمور المستقبلية الحسنة والتي توهب الآن لنا كرموز، وإليها يرجع أملنا في الفرح الآتي، عندما نبعث حقيقة من الأموات، ونصبح خالدين غير متغيرين بطبيعتنا (11). وأوضح مقولة لثيودوروس والتي تبين موقفه من فناء آدم تبرز في "فتات من أعمال ثيودوروس العقائدية في الخطيئة الأصلية والفناء". حيث يقول: "الرب أصبح خالق جميع الأمور الحسنة للبشر لأنه - مثل ما ظهر آدم كمنشئ في هيئته الفانية الأولى - فإن الرب نفسه، بظهوره كبادئ في الحالة الخالدة الثانية، يمكن أن يؤمن ما يلائم طبيعة آدم الأول القديم،… وهكذا فإنه في النهاية جلب إلى نفسه الموت، حيث بموته حسب الطبيعة البشرية والبعث بالقوة الإلهية، يمكن أن يصبح البداية لكل البشر الذين يموتون حسب الطبيعة فإنهم سيبعثون من الأموات " (12).

من النصوص الثلاثة المدونة أعلاه يمكن أن نلاحظ أن ثيودوروس بإدراكه لكيفية خلق الله لآدم مخلوقاً عاقلاً بمعرفته المسبقة، وفانياً بالرغم من كونه بريئاً. وحسب رواية سفر الخليقة، أمر الله آدم بعدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر، وفرض عليه عقوبة في حالة إرتكابه ذلك (13). ويشير ثيودوروس لاحقاً أن "الشيطان" الذي استغل سذاجة وبدائية آدم، "خدع (آدم) باتخاذه دور الصديق والحليف". وأغرى آدم، "بإزالة خوفه وبتحريفه وعد (الله)" (14). لذلك فبإرادته ورغبته، أصبح آدم متكبر وبتعمد ناقض تعليمات الله عندما خضع آدم للشيطان، استبدل وعد الله بعهد الشيطان له (لآدم) على أنه سيصبح إلهاً، بمعنى آخر أنه آثر تشويه حقيقته. من خلال خطيئة التمرد، لم يعد آدم بريئاً، بل مذنباً، وحدث سقوطه بسبب هذا الذنب. من هنا يعتقد ثيودوروس أن الله عاقب آدم لعدم طاعته فارضاً الموت عليه وعلى ذريته. "منذ البدء ومن زمان أسلافنا لم ننتسب للشيطان بل لله، الذي خلقنا بينما لم نكن في الوجود وجعلنا في صورته (15)… وبسبب إثم وشر الطاغية ومن خلال إهمالنا تم انسياقنا نحو الإبليس، وبذلك فقدنا إجلالنا وعظمة صورتنا، وبسبب خطيئتنا تلقينا عقوبة الموت" (16).

ونتيجة للسقوط، الذي أختبر فيه واستسلم للتجربة، تسبب آدم أيضاً في وراثة ذريته للطبيعة التي انحدر إليها باتجاه الخطيئة، مع أن هذه الطبيعة لم تكن في الأصل خاطئة ولا الخطيئة كانت حالة موروثة. هنا تكمن مشكلة السقوط المحيرة والتي هي قاسية بالنسبة لثيودوروس، بما أنه يلح باستمرار على أنه كان من خيار الإنسان أن أصبح خاطئاً، مفضلاً ذلك على كونه خاطئاً بطبيعته (17). ويستنتج ثيودوروس، أن العلاقة الوراثية بين آدم وذريته هي الطبيعة البشرية كما يظهر، أكثر مما هي الإرادة، وبما أن الخطيئة لم تكن جزءً مكوناً لهذه الطبيعة، لذلك فإنها لا يمكن أن تنتقل أو تورث. في منظور ثيودوروس الخطيئة هي التمرد على الناموس الإلهي ويمكن أن تمارس فقط بإرادة حرة ومن دون إكراه (18).

كيف ورث البشر من آدم الحالة - الطبيعية للخطيئة الموروثة إذاً؟ يؤكد ثيودوروس أن ذلك حصل بقوة الحقيقة التي جعلت معرفة الحالة الفانية والخوف منها أمراً دائم الحضور في وعي البشر. وهذه المعرفة توفر حافزاً قوياً لإطاعة "مطالب الجسد" وبالنتيجة فالشهوة تجد طريقها بالرغم من ذلك، هذا "الانحدار" أو "النزعة" نحو الخطيئة كما ذكرنا سابقاً ليس بسبب "الطبيعة" البشرية الخاطئة الأصلية الموروثة، لكن بالدرجة الأولى بسبب العجزالبشري تجاه الموت (19). وبالنتيجة فبعد سقوط آدم أو "خطيئة آدم" كما يشار إليها في كنيسة المشرق، امتلك جميع البشر هذا " الانحدار" وهذه "النزعة" نحو الخطيئة، وعليه أخطأوا جميعهم بالرغم من أن بعضهم كان أقل خطأً من الآخر.

وعليه فإن المقترحات الواضحة والمتوهجة في مقدمة كتابات ثيودوروس تتضمن:

(1) هناك فرق بين "الطبيعة" و "الإرادة". (2) الخطيئة لا يمكن أن تورث. و (3) وأنها ميزة أو صفة الإرادة وليس الطبيعة. هذه الاعتبارات العقائدية توفر ذلك المفهوم الذي يتجسد فيه لاهوت أسرار كنيسة المشرق.

بالرغم من أن ثيودوروس يستخدم لغة لاهوتية تقليدية، فإن المجادلات اللاهوتية التي يبينها في عقيدته عن السقوط، تأتي بمحتويات قد تكون إلى حد ما مختلفة عن الصنوف التي هي معروفة بدرجة أكبر في الغرب. في حين يعتقد ثيودوروس بأن الحالة الضعيفة والفانية للإنسان يمكن أن تورث، غير أنه لا يوافق على أنه من خلال هذه الوراثة يمكن أن يتقبل الإنسان الحالة الفانية بذاتها، بغير ارتباط مع الخيار الحقيقي الذي يمارس أمام الله. أنه يحدد بؤرة وجذور الخطيئة بأنها ليست من مميزات الطبيعة البشرية، بل تكمن في استخدام الإنسان لمقدرته عندما يواجه العجز في طبيعته. عندما يتمرد آدم على نواميس الله فإن مصدر الخطيئة هو مسؤوليته وإرادته الحرة وتلك التي لذريته من بعده. فضلاً عن ذلك فإن الضعف الموروث في الجسد الفاني هو الفرصة الملائمة للذنب والخطيئة، أكثر من جزئها الموروث. إذا كان الإنسان قد خلق في ذلك الحين كخاطئ، لكان غير مسؤول وحراً أمام خالقه (20). الإنسان لا يرث الذنب الحقيقي من أسلافه، ولا يمكن أن يحمل مسؤولية خطيئة لم يرتكبها. خيار حر يمارس بحرية من قبل إنسان حر قادر أن يطيع أو يتمرد، هو بكل ما في الكلمة من معنى المحور الأساسي لفهم موقع الإنسان أمام الله وهو الذي يسود في التقليد اللاهوتي لكنيسة المشرق.

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com