عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

رسالة الميلاد لصاحب الغبطة

  الحقة الثانية عشرة

التَّجدُّد في مجتمعنا الكنسي العربي
إنَّ التطوُّر المعاصر الذي نتوخَّاه كما شرحناه في المقطع السَّابق يُسهم كثيرًا، لا بل لا بُدَّ منه، لكي نتجدَّد ونكون عاملي تجدُّد في مجتمعنا الكنسيّ العربي. هذا المجتمع المتعدِّد المعتقدات والكنائس والطَّوائف يتأثَّر سلبًا وإيجابًا وفي كلِّ الاتجاهات بالواقع الوطني المحلِّي، وبالواقع الإقليمي وبالواقع العالمي. إذ لا أحد منَّا يعيش في جزيرة! والكنيسة بالذَّات لا يمكنها أن تعيش في جزيرة، في العزلة والقوقعة، في صومعةٍ رهبانيَّة أو في قفرٍ بعيد... بل على الكنيسة أن تنطلق من جدرانها ومن أناطيشها وأديارها وصوامعها ومقرِّ أبرشيَّاتها، أن تنطلق بقوَّةٍ متجدِّدة مرتكزة على الصَّلاة والإفخارستيَّا والتَّأمُّل والمطالعة والبحث والدَّرس والاطِّلاع، تنطلق بقوَّةٍ متجدِّدة إلى كلِّ إنسان، لأنَّ الله "قدَّرنا أن نكون خدَّامًا لعهده الجديد، لا عهد الحرف بل عهد الرُّوح" (2كورنثُس 3: 5-6)، ولكي كما يقول بولس الرَّسول: "نَسبي كلَّ بصيرةٍ إلى معرفة يسوع المسيح" (2كورنثُس 5:10). فتصبح الكنيسة القويَّة المتجدِّدة المتطوِّرة الواسعة الآفاق، تصبح "كلاًّ للكلّ لكي تربح الكلّ" (1كورنثُس 22:9). لكي يطَّلع النَّاس كلُّهم على السِّرّ المكتوم منذ الدُّهور والأجيال (1كولوسي 26:1). سرِّ الخلاص والفداء من خلال كلمة الله، التي هي كلمة الله لكلِّ النَّاس، "لكي يُقبِلوا إلى النُّور، وتكون لهم الحياة وتكون لهم بوفرة" (يوحنَّا 10:10). إذ إنَّ المسيح أتى لكي يُنير ما قد أظلم، ويُخلِّص ما قد هلك، ولكي يجمع أبناء الله المتفرِّقين إلى واحد، ويجعل منهم جسدًا واحدًا متضافرًا متضامنًا متفاعلاً، يشعر فيه الأعضاء كلُّهم بالأمن والاستقرار والكرامة والسَّعادة والأمل والرَّجاء...هذه هي رسالة الكنيسة الخليقة الجديدة الدَّائمة التجدُّد. إنَّها في تجدُّدها الدَّائم، تحمل رسالة التَّجدُّد والتطوُّر والحداثة والتقدُّم والازدهار في المجتمع، خاصَّةً في المجتمع العربي ذي الأغلبيَّة المسلِمة. هذا التَّجدُّد يجب أن يطال كلَّ القطاعات التي يحتاج إليها مجتمعنا العربي، وبخاصّة الأجيال الطَّالعة والشباب. وهناك قطاعاتٌ كثيرةٌ تحتاج إلى تجدُّد وتطوُّر متكافىء، وأكثرها قطاعات مشتركة بيننا كلِّنا، مسيحيِّين من كلِّ الطَّوائف، ومواطنين من مختلف المعتقدات الدِّينيَّة، التي لها كلِّها حقَّ الوجود الكريم والتطوُّر، حقَّ المواطنيَّة الكاملة...

من هذه القطاعات، قطاعات القِيَم الرُّوحيَّة والإيمانيَّة والدِّينيَّة والحرِّيَّة الدِّينيَّة، حرِّيَّة ممارسة الدِّين، وحرِّيَّة المعتقد، ومكافحة التميِّيز العنصري والبشري والإثني والدِّيني والقومي... وحقوق الطِّفل والمرأة والإنسان المعوَّق والفقير والمهمَّش... وقيمة الأسرة ووحدتها وثباتها... والحياة الكريمة لكلِّ مواطن... والتربية الخُلُقيَّة على المحبَّة والاحترام المتبادل، والتعايش والحوار والعيش المشترك، وقبول الآخر، وكرامة الإنسان المطلقة لكونه مخلوقًا على صورة الله ومثاله، وإقصاء مشاعر الكراهيَّة والعداء والعنف والإرهاب والابتزاز والاستغلال والاضِّطهاد والتسلُّط والتَّعالي...إنَّ عمل الكنيسة لأجل هذه الأمور، هو من صميم رسالتها، وهو مجال التَّجدُّد الدَّائم لعملها ونشاطها الإنساني والرُّوحي والثقافي والإيماني والاجتماعي. وهذا هو التوجُّه الذي على الرُّعاة، مطارنة وكهنة ورهبان وراهبات ومربِّين ومربِّيات، أن يربُّوا الأجيال المسيحيَّة المؤمنة عليه، في الوعظ والإرشاد ومن خلال الأخويَّات والجمعيَّات الخيريَّة ودور التنشئة... فإنَّ المسيحي المنفتح، الواعي رسالته ومعنى وجوده في مجتمعه، المقتنع من ثوابت إيمانه وأخلاقه، هو المسيحي النَّاجح في مجتمعه، السَّعيد، القوي، الذي يمكنه أن يصمد أمام التحدِّيات والصُّعوبات والضغوطات والأزمات، وأمام تجاذبات الهجرة والخوف واليأس والقوقعة والانعزاليَّة والتشرذُم... هذا هو المسيحي القادر أن يعيش في مجتمعه المسيحي وغير المسيحي. وأن يكون فاعلاً رسولاً وعامل خيرٍ وتطوُّرٍ في مجتمه لمسيحي، في كنيسته ورعيَّته، وفي مجتمعه غير المسيحي، وفي وطنه الصَّغير والكبير في الأوطان العربيَّة...هذا المسيحي المؤمن المنفتح المتجدِّد، القادر على التفاعل والتواصل والعمل المشترك... هذا هو المسيحي الذي يجب على الرُّعاة والمسؤولين في الكنيسة، أن يربُّوه ويسهروا على ترقيته ونموِّه. هذا المسيحي هو مستقبل الكنيسة، ومستقبل الوطن. نحن بحاجة في كنيستنا الرُّوميَّة المَلَكيَّة الكاثوليكيَّة إلى هؤلاء المسيحيِّين، إلى هؤلاء المؤمنين، إلى هؤلاء المواطنين. ولا يمكن لكنيستنا أن تتجدَّد وتبقى أمينةً لرسالتها المسيحيَّة تجاه أبنائها المسيحيِّين وتجاه العالم العربي، التي هي جزءٌ لا يتجزّأ منه، وهي منه ومعه ولأجله... لا يمكن لكنيستنا أن تبقى أمينةً بنجاح لهذه الرِّسالة المنفتحة، إلاّ من خلال هؤلاء المسيحيِّين، الذين يجب أن يكونوا كوادر المستقبل، وهم دعامة الكنيسة والوطن.ولأجل تحقيق هذا التجدُّد الكنسي في المجتمع العربي، لا بُدَّ لنا، رعاة، مطارنة وكهنة ورهبان وراهبات ومؤمنين ورجال أعمال وسياسيِّين وأساتذة جامعيِّين وسواهم، لا بُدَّ أن نكون حقًّا كنيسةً واحدة "قويَّة متماسكة" لأجل العمل الكنسي الدَّاخلي، والتَّجدُّد الذي من الرُّوح القدس. كما لا بُدَّ أن نكون أقوياء، قادرين على التواصل مع شرائح مجتمعنا، ونجعل الكنيسة في تواصلٍ دائم فعّال مع المجتمع، بحيث يكون لمؤسَّساتنا وجمعيَّاتنا، التأثير الواسع الفعَّال في مجتمعنا، إيمانيًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا. هكذا فقط: "يُحسَب لنا حساب" . وهكذا فقط نُحقِّق رسالتنا المسيحيَّة ودعوتنا الفريدة، ونبقى أمناء لإيماننا المسيحي في المجتمع العربي، لنكون فيه القطيع الصَّغير الشُّجاع الذي لا يخاف، ويبقى حاضرًا أمينًا، شاهدًا وشهيدًا إذا لزِمَ الأمر، لهذه القِيَم الإنجيليَّة الإيمانيَّة المقدَّسة. وهكذا نُحقِّق أيضًا المهمَّات التي يُلقيها علينا يسوع منذ اليوم الأوَّل من دخولنا الإيمان المسيحي بالمعموديَّة المقدَّسة، ويجعلنا شركاء في رسالته الإلهيَّة الموجَّهة لجميع النَّاس، وبدرجةٍ أولى لمواطنينا جميعًا. إنَّها رسالةٌ صعبة، تدعو إلى الغفران والمصالحة والمسالمة والصفح، وإعطاء الخد المصفوع بدل الآخر، ومحبَّة الأعداء، والعطاء بدون حساب، والعفويَّة وعدم المطالبة بالمِثل... ومن خلال هذه الخلقيَّة السَّامية نحقِّق ما دعانا إليه يسوع قائلاً: "أنتم نور العالم، وأنتم ملح الأرض... فكونوا كاملين، كما أنَّ أباكم السَّماوي هو كامل" (متَّى 5: 13-14 و48). وفي مثَلِ الخميرة في العجين (متَّى 33:13) يسوع يُمثِّل الكنيسة بالخميرة التي تُخمِّر المجتمع.هذه هي قِيَم التَّجدُّد الحقيقيَّة. وهذه هي مميِّزات الخليقة الجديدة. وهذه هي الأسس للخليقة الجديدة، التي تجعل من المسيحي المؤمن المعتمد حقًّا خليقةً جديدةً في المسيح يسوع.

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com