عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E

رسالة الميلاد لصاحب الغبطة

                     الحلقة السابعة
ويدخل التَّجديد، ويطال التَّجديد مختلف مرافق حياتنا. ويُعبِّر المزمور عن ذلك مع النَّبي حزقيال بعبارة: "الرُّوح المستقيم المتجدِّد في الأحشاء". وهنا يعني أنَّ التَّجديد الآتي من الرُّوح القدس، يطال أعمقَ أعماقِ الإنسان ومشاعرِهِ وجوارحِهِ وأشواقِهِ وآمالِه: "ليتجدّدْ في أحشائنا مؤبَّدًا الرُّوح القدس الذي نهواه" (أحد العنصرة – التَّسبحة السَّادسة).
وتعبِّر صلوات عيد العنصرة، عن مفاعيل التَّجدُّد بالرُّوح القدس بهذه الكلمات: يتكلَّم الرُّسل، وكلُّ رسول، وكلُّ مؤمن، بألفاظٍ غريبة، واعتقاداتٍ غريبة، وسمعةٍ غريبة، ورؤيةٍ غريبة! لا بل هو يتغيّر تغيُّرًا فائق البهاء، وكأنَّه يصبح في غربةٍ عن العالم، وطريقة تفكير العالم، وعقليَّة العالم...

ولهذا السبب يشعر المؤمن الحقيقي، والذي يريد أن يعيش إيمانه في مجتمعه، يشعر بأنَّه في غربة، أنَّه غريب، والباقون يعتبرونه غريبًا عنهم، عن منطقهم. لا بل تصبح كلماتُ ومفرداتُ وجملُ وآياتُ الصَّلوات في القدَّاس الإلهي، أو في الصَّلوات الأخرى، تصبح غريبة على الكثيرين، ولا يفهمون معناها...

وهذا يشكِِّل تحدِّيًا كبيرًا للمؤمن من جهة، ولباقي أترابه غير المؤمنين أو البعيدين عن الإيمان أو عن الدِّين أو عن الكنيسة من جهةٍ أخرى... والتحدِّي الكبير اليوم أمام الكنيسة وأمام الكاهن المعلِّمِ والمرشدِ والموزِّعِ الأسرار المقدَّسة والواعظِ والمرشد... التَّحدِّي الكبير هو: كيف يمكن إزالة هذه الغربة، وهذا التغرُّب، مع المحافظة على تعليم الإنجيل والكنيسة؟... التَّحدِّي هو: كيف تخاطب الكنيسة المؤمنين، وغير المسيحيِّين والمجتمع، بكلمات الحياة تحت ضوء الإنجيل. ولكن بلغة الإنسان المعاصر والمتطوِّر والمتغيِّر بسرعةٍ هائلة... كيف نحمل للناس البشرى جديدة، جذّابة، مشوّقة، حيّة، منعشة، محبَّبة... هذا هو الهدف كما قلنا أعلاه، من إعلان البابا بندكتوس السَّادس عشر في حزيران 2010، تأسيس مجلس حبري للبشرى الجديدة، أو بالحريِّ لتجديد طرق حمل البشرى الإنجيليَّة. إنَّها بذاتها دائمًا جديدة، ويقع على كاهلنا مسؤوليَّةُ إبرازها بحلَّةٍ جديدة، وجذبُ الناس إلى قبولها، والعيشُ بوحيِها وبنورها الإلهي الوضَّاء، فتصبح لهم كلمة حياة، كما قال بطرس الرَّسول ليسوع بآسم التلاميذ كلِّهم: "إلى أين نذهب يا رب؟ فإنَّ كلماتِ الحياة الأبديَّة هي عندك" (يوحنَّا 6: 68).

ومع ذلك فإنَّنا واثقون أنَّ العالم يتجدَّد بتجدُّد أبناء الإيمان. وكما قال البابا بندكتوس السَّادس عشر: "المؤمن ليس أبدًا وحده". الإنسان المتجدِّد حقًّا يُجدِّد العالم. وقال الكاتب الفرنسي لاكوردير (1802-1861) كما كنَّا نتعلَّم ذلك ونحن على مقاعد الدراسة في إكليريكيَّة دير المخلِّص الصُّغرى: "إنَّ نفسًا ترتفع، ترفعُ العالم كلَّه معها".
والجميل أنَّ عيد التَّجديد في كنيستنا، مرتبط بذكرى قيامة السَّيِّد المسيح، وبعاصمة وأمِّ كنائس الدُّنيا والمسيحيَّة قاطبة، كنيسة القيامة (13 أيلول).

لا بل التَّجدُّد مرتبط بالتألُّه Theosis .هذه الكلمة هي المفتاح في اللاهوت المسيحي بخاصّة الشَّرقي. بمعنى أنَّ التَّجدُّد مرتبط بالاتحاد بالله، لا بل هو نتيجة هذا الاتحاد. والإنسان المتَّحد بالله، يجد ويكتشف دائمًا الجديد في حياته، لأجل تمجيد الله وعبادته، وخدمة الأخ والمجتمع. المؤمن بالله خلاَّق، مبتكر، مبدع، مخترع، مبادر، مقدام، شجاع، واثق، متفائل... يجد دائمًا مخرجًا في حياته. وهي نعمة الله والرُّوح القدس التي تسند ضعفنا...

والتَّجدُّد الدَّائم الذي توحي به وتشير إليه نصوص الكتاب المقدَّس والصَّلوات الطَّقسيَّة، يتناسب مع دعوة الإنسان السَّامية وكرامته الكبيرة، كما يقول القدِّيس إيريناوس: "إنَّ مجدَ الله، هو الإنسان الحي". الإنسان يسعى في الواقع دائمًا إلى الأعالي، إلى تحقيق ذاته، إلى الجديد والأكمل. والكرامة الحقيقيَّة هو أن يبقى الإنسان محافظًا على أساس ولبّ هذه الكرامة، أي المحافظة على صورة الله فيه، وجمالها وتألُّقها: "فيكَ أيُّها القدِّيس (فلان) حُفِظَتْ صورةُ اللهِ بتدقيقٍ" (من أناشيد القدِّيسين).

والتَّجدُّد الدَّائم هو هدفٌ سامٍ، ويعني تجديد الخليقة التي رأسها الإنسان... تجدُّد المجتمع. التَّجدُّد هو في المعموديَّة الميلادُ الثاني، ميلادُ الإنسانِ المعتمد، وميلادٌ متجدِّدٌ لمجتمعه وعالمه والخليقة كلِّها.

والتَّجدُّد مصدرُ فرحٍ عظيم. التَّجدُّد اِرتقاءٌ دائم. وهو أمرٌ صعبٌ ويتطلَّب سهرًا كبيرًا، وجهدًا دائمًا. لأنَّه وَضعُ لجامٍ لكلِّ ما يُنشىء الموت في الإنسان: القلب والنَّفس والرُّوح والجسد. ويقتضي تهذيبَ الأعضاء وتنقيةَ الفكر والذاكرة من الأمور القديمة البالية، ونسيانَ القديم والخطيئة المسيطرة على الإنسان، تستعبده، تُذلُّه، تحطُّ من كرامته، تُقزِّمه، تُدنِّسه...

كلُّ هذا يعني تجديدًا جذريًّا . إنَّه تأهيل، إعادة كاملة لكلِّ شيىء. كما ورد في إحدى الصَّلوات: "أيُّها الرُّسل! إنَّ الرُّوح القدس بحلوله الرَّهيب عليكم، سبكَ بألسنتكم النَّاس المسحوقين بالخطيئة كما في بودقة. وصاغهم صياغةً جديدةً للحياة" (اللَّحن السَّادس من المعزِّي، سحر الخميس، الأودية الثالثة، القطعة الثانية من القانون).

هذا يعني تجديد الوصيَّة نفسها المعرَّضة لأن تصبح عتيقة بالية. ولذا يسوع يعطينا "وصيَّةً جديدة" ولو أنَّها موجودة بطريقةٍ أخرى في العهد القديم. والقدِّيس يوحنَّا الحبيب الرَّسول، يتكلَّم عن الوصيَّة الجديدة والتي كانت منذ البَدء!...

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com