عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E سيرة ذاتية للكهنة

رسالة الميلاد غبطة البطريرك

رسالة الميلاد_غبطة البطريرك                     

                                         الحلقة الخامسة

خواطر حول "الخليقة الجديدة"
"
أنتم في المسيح خليقةٌ جديدة". هذا ما يقوله لنا بولس الرَّسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثُس (17:5).
عندما أقرأ هذه العبارة الرَّائعة، تتزاحم في قلبي وتغزو مشاعري خواطر أسوقها تأمُّلاً روحيًّا في هذه الرِّسالة.
وأبدأ بكلمةٍ من شفيعي القدِّيس غريغوريوس النزينزي في عظة الفصح: "لقد حدثتْ ولادةٌ جديدةٌ أخرى! إنَّها طريقةٌ جديدةٌ للحياة! إنَّه تحوُّلُ الطبيعة! إنَّها بدايةُ خليقةٍ جديدة. في هذا النَّهار (يوم القيامة) خلق الله سماءً جديدةً، وأرضًا جديدة، كما يقول الأنبياء".

السَّيِّد المسيح هو الخليقة الجديدة كما نُنشد: وُلِدَ لنا طفلٌ جديدٌ، وهو الإله الذي قبل الدُّهور. فيسوع هو خليقةٌ جديدة، لأنَّه تأنَّس ولكنَّه إله! وهذا هو الجديد: أن يتَّحد الله بالإنسان من خلال الخليقة الجديدة، السَّيِّد المسيح، ويكون هو نموذج الخليقة الجديدة، حيث الإنسان لا يكون وحده في هذا الكون، بل الله عمانوئيل هو معه، وهو مدعو ليكون كما خلقه الله "على صورة الله ومثاله". يعني أن يصبح الإنسان إلهًا، لأنَّ الإله أصبح إنسانًا وبقيَ إلهًا، ليضُمَّ إليه الإنسان، ويجمع في ذاته كلَّ شيىء في السَّماء وعلى الأرض... وتتوحَّد السَّماء والأرض والخليقة بأسرها، والبشر يتوحَّدون بشخص المسيح.

هذه هي الخليقة الجديدة! ولذلك نرى في مطلع سفر التكوين العبارة: "في البَدء خلق الله السَّماوات والأرض" (تكوين1:1). وفي مطلع الإنجيل المقدَّس حسب يوحنَّا: "في البدء كان الكلمة، وصار جسدًا، وسكن فينا" (يوحنَّا 1: 1 و14).

وهكذا يربط يوحنَّا الرَّسول بين الخليقتَين الأولى والثانية في مطلع البشريَّة، وفي مطلع المسيحيَّة. فالمسيح هو الخليقة الجديدة، والمسيحيَّة هي دعوة الإنسان ليكون خليقةً جديدة. المسيحيَّة كما أُحبُّ أن أُحدِّدها بالنِّسبة لباقي الأديان، بدون استعمال عبارة: "أفضل وأحسن وأجمل! فأقول: المسيحيَّة خليقةٌ جديدة! إنَّها شيىءٌ آخر something else . كما أوردتُها في كثيرٍ من محاضراتي ومواعظي ورسائلي. والمسيح خليقةٌ جديدة، وهو إنسانٌ آخر غير النَّاس، هو somebody else . والمسيحيَّة هي العهد الجديد بدم المسيح: "إشربوا من هذا كلُّكم! هذه هي الكأس العهد الجديد بدمي! أو هذا هو دمي للعهد الجديد".

اسم المسيحيَّة الحقيقي: "العهد الجديد"! عهدُ الله مع الإنسان! وعهدُ الإنسان مع الله! وعهدُ الإنسان مع أخيه الإنسان، ومع الطبيعة، ومع الكون! ولا جديد بدون قديم! والجديد غايته إعادة تأهيل القديم. ومن هنا تَلازُمُ العهدَين القديم والجديد في عهدٍ واحد! ومن هنا تَلازُمُ معتقدات البشر المختلفة: إنَّها متفاعلة متلازمة.

الإنجيل المقدَّس ليس كتابًا يمكن أن يَعتُق! إنَّه كتابُ أخبارٍ سارّة! وآخِرُ الأنباء! وأكثرها حداثةً وجِدَّة! إنَّها أخبارٌ دائمًا جديدة وسارَّة، لأنَّها تخاطب الإنسان بواسطة الرُّوح القدس، الذي كما يقول السَّيِّد المسيح: "يُخبرُكُم بكلِّ شيىء... وهو معكم" (يوحنَّا 14: 16-17 و24).

المسيحيَّة خليقةٌ جديدة! طريقةٌ جديدة، كما نقرأ عنها عند بولس، وفي أعمال الرُّسل، Le Chemin neuf أو الطريق الجديد! أو الطريقة الجديدة! والرُّؤية الجديدة! New shape! New look

يسوع يطلب من نيقوديموس أن يولد ثانيةً من جديد، من فوق، من الماء والرُّوح... ويقول له: "لا تتعجَّب من قولي لك إنَّه ينبغي لكم أن تولدوا ثانيةً! وإن لم يولد أحدٌ ثانيةً، فلا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يوحنَّا 3: 3 – 9).

المسيح خليقةٌ جديدة! المعتمِد خليقةٌ جديدة! المؤمن خليقةٌ جديدة! والكنيسة، جماعة المؤمنين، خليقةٌ جديدة! ولذا فالكنيسة عبرَ التاريخ لم تأنف، ولم تجدْ شيئًا مُهينًا، أن تكون كنيسةً دائمًا متجدِّدة، وتطلب التَّجدُّد وتسعى إلى الإصلاح بكلِّ مظاهره، ولا تخاف أن تعترف بخطأ أبنائها، عندما يبتعدون عن تعليم معلِّمهم السَّيِّد المسيح، ولا يسيرون بإلهامِ ووحي وإرشادِ الرُّوح القدس.

ولهذا أطلق البابا يوحنَّا الثالث والعشرون، المجمع الفاتيكاني الثاني (62 – 65) تحت شعار: التَّجدُّد! والتَّحديث Aggiornamento وأطلق يوحنَّا بولس الثاني فكرة حمل البشارة الجديدة! وفي 28 حزيران 2010 أسَّس قداسة البابا بندكتوس السَّادس عشر، المجلس الحبري للبشارة الجديدة Conseil pontifical pour la nouvelle évangélisation . وفي اللِّيترجيَّا والطُّقوس ونصوص الصَّلوات والأناشيد الطَّقسيَّة، دعوةٌ دائمةٌ إلى التَّجدُّد. ناهيك عن أعياد التَّجدُّد! وهذا ما شرحناه في "مشوارنا" في رِياض الصَّلوات الطَّقسيَّة. هذه الدَّعوة إلى التَّجدُّد، هي دعوةٌ دائمةٌ إلى الإنسان، في علاقته مع الله، الذي يدعوه إلى الكمال، وهو فوق طاقته وطاقة طبيعته المخلوقة الضعيفة المحدودة. وهذا ما قاله السَّيِّد المسيح لتلاميذه، واضعًا أمامهم هدفًا عاليًا جدًّا، وشبه مستحيل، ومختتِمًا وصاياه وتعاليمه الرَّائعة الفريدة السَّامية الإنسانيَّة والإلهيَّة في آنٍ واحد: "كونوا كاملين، كما أنَّ أباكم السَّماوي هو كامل" (متى 5: 48).

إنَّ طلبَ يسوع من تلاميذه الرُّسل، وأتباعه البشر، ومن المعتمدين باِسمه، يعني من جميع المسيحيِّين، مرتكزٌ على عقيدةٍ لاهوتيَّة، قلَّما نهتمُّ بإبرازها وكأنَّها مقولةٌ بديهيَّة. ولكنَّها في الواقع، في صُلب معنى الحياة، وعلاقة الله بالإنسان، وعلاقة الإنسان بالله، وتُختصَر هذه العلاقة (واليوم ينكر الإنسان هذه العلاقة وهذه الحقيقة) وهي: الله هو الخالق! هو خالقي وأصلي وغاية حياتي! وهو فوق كلِّ تصوُّرٍ وكلِّ منطقٍ وفكرٍ وفهمٍ وإدراك! كما نقول في صلواتنا في ليترجيَّا القدَّاس الإلهي: "الإله الذي لا يَحُدُّهُ عقلٌ و لا يُرى ولا يُدرَك. الدَّائمُ الوجود. والكائِنُ هوَ هوَ! أنتَ وآبنُكَ الوحيد وروحك القدُّوس" (ليترجيَّا قدَّاس القدِّيس يوحنَّا فمِ الذَّهب – الأنافور).
وهذا ما يقوله الكتاب: "إنَّك لإلهٌ مستترٌ يا إله إسرائيل أو يعقوب" (أشعيا 15:45).

وهذا ما قاله بولس الرَّسول في أثينا عند رؤيته كثرةَ الآلهة عند اليونان في محفل آريوس باغوس: "إنِّي في مروري ومعاينتي، صادفتُ مذبحًا مكتوبًا عليه: للإله المجهول. فهذا الذي تَعبدونه وأنتم تجهلونه، به أُبشِّرُكُم! إنَّه غير بعيدٍ من كلِّ واحدٍ منَّا. فإنَّا به نحيا ونتحرَّك ونوجد، كما قال بعض شعرائكم... وأيضًا: إنَّا نحن ذرِّيَّته" (أعمال الرُّسل 17: 23 و27).

الإله المجهول يبقى دائمًا مجهولاً... لأنَّنا نبقى نجهله... ولهذا نصبو إليه لا بل ننكره! فنكران الله، برهانٌ على وجوده وسموِّه وعدم إدراكه... ونريد أن نرتقي إليه، وإلى المزيد من معرفته ومن كماله... إنَّك لإلهٌ مستترٌ يا إله إسرائيل...

فالله الخالق يبقى فوق فهمنا. والتَّواصل به يبقى دائمًا جديدًا، وممتنعُ الإدراك. وإذا ما أصبح الله في متناول يدنا وفكرنا وفهمنا، أصبح صنمًا كأحد أصنام اليونانيِّين في آثينا! يصبح صنمًا عندما لا نكتشف فيه أمرًا جديدًا، أمرًا يفوق عقلنا... يصبح صنمًا حينما لا نتعرَّف عليه أنَّه طفلٌ جديدٌ قريبٌ إلينا، ولكنَّه الإله الذي قبل الدُّهور، يرفعنا إليه، يؤلِّهنا ويكمِّلنا ويجعلنا خليقةً جديدةً، ودائمًا متجدِّدة.

 Copyright © 2009-2018 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com