عن الكنيسة

كاهن الكنيسة

جمعية الكنيسة

مواقع

C??????E صلوات وتاملات

26/6/2009
الجنة و _ سيادة المطران بطرس المعلم

الجنّة والمَجنّة ـ

بقلم : المطران بطرس المعلم

تلاحقت الأعياد في الأيام الأخيرة متجاورة متقاربة، وأحيانا متزامنة، لمختلف الطوائف والأديان. فمن المولد النبوي، الى الفصح اليهودي، الى الفصح المسيحي، الى النبي شعيب، كلها تتزاحم في أقل من شهر واحد. ولكنك، على رغم تمايُزها، لا تكاد تميّز لمن يعود كل منها. فالمسلم والمسيحي والدرزي واليهودي يشعرون أن كلاً من هذه الأعياد هو لهم جميعا، يفرحون فيه معا، ويتبادلون التهاني والزيارات والضيافات والهدايا، فالعيد واحد والفرحة واحدة للجميع. وكذلك أفراح الخطوبات والأعراس والتخريج، فصفوف السحجة وحلقات الدبكة وموائد الولائم واحدة للجميع، لا تميِّز المشاركين فيها، الواحدَ عن الآخر، لا من ناحية الطائفة ولا المذهب ولا الدين.
وكذلك في المآتم والأتراح، فالحزن والحداد يلفّهم جميعا، كما في أسرة واحدة. فبيت العزاء ليس بالضرورة بيت الفقيد، بل كثيرا ما يكون بيت الجار، ولقمة الرحمة او المجابرة كثيرا ما يقدمها هذا الجار او الصديق، الذي هو من طائفة او مذهب او دين آخر. فهل أروع من هذه المشاركة، يواصل فيها الصديق مرافقتك، بعد ان تكون دمعة صداقته قد امتزجت بدمعة حزنك، وإخلاص وفائه قد واكبك في تشييع فقيدك، بل ربما أيضا في حمل نعشه على الأكفّ ، حتى سور المجنّة، اي المقبرة.
ولكن عند هذا السور يتوقف كل شيء. فالقادم الجديد، عليه التوجه الى مجنّته الخاصة دون سواها. قد كان مسموحا له، حيّاً، أن يخالط أصحابه ويزورهم في بيوتهم، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، أيّاً يكن دينهم أو مذهبهم. أما بعد اليوم، فجواز سفر المُهاجرالجديد لا يحمل تأشيرة الا الى كانتون واحد: فجدار الفصل والعزل بين المجنات قائم، ومحاولة الاتصال بينها من المحرّمات، لأن ذلك تعدٍّ على القانون، وتجاوُزٌ لِحُدودٍ حمراء متعارَف عليها ومعترف بها. وقد يُعَدّ تخطّيها محاولةَ اقتحام، أو تهديدَ احتلال، لجنّاتٍ بَعدَها، لها هي أيضا حدودها وخطوطها الحمراء، وقد سبق أصحابها من الان، فسجّلوها على أسمائهم دون غيرهم، في سجلاّت طابو الأبدية، خشية المصادرة أو تبديل الحدود. - مسكينة الشعوب، وما أكثرها، التي لا تزال تراهن على بورصات عقارية، خلف أسوار المجنات هنا، وأسوار الجنّات هناك. هكذا كانوا في القديم، وهكذا هم مستمرّون.

المرأة السامرية في إنجيل يوحنا لم تكن غبية، وأرادت، بذكاء ودهاء، أن تستدرج يسوع الى مثل تلك المهاترات. لكنه قطع عليها الطريق، واذا بها تُخطَف الى أجواء لم تكن لتخطر لها على بال. "قالت له المرأة : أرى أنك نبيّ، يا سيدي. آباؤنا (السامريون) عبدوا الله في هذا الجبل (جرزّيم)، وأنتم (اليهود) تقولون ان المكان الذي تجب فيه العبادة هو في أورشليم. فقال لها يسوع: صدِّقيني يا امرأة... ستأتي الساعة التي تعبدون فيها الآب، لا في هذا الجبل ولا في اورشيم... ستأتي الساعة -  وقد أتت الآن -  التي فيها العابدون الحقيقيون يعبدون الآب بالروح والحق. هؤلاء هم العابدون الذين يريدهم الآب. الله روح، وبالروح والحق ينبغي لعبّاده أن يعبدوه"(يوحنا 4/19-24),

 

وبين الجنة والمجنة هناك الجنون. والجنون، لوتعلمون، فنون. أقاموا الستار الحديدي، ورفعوا جدار برلين، وجعلوها مدينتين في دولتين، كما أقاموا كوريتَين وفيتنامَين وقبرسَين... ثم ما لبثوا أن زالت غشاوات العيون لحظة، فأزالوا الستار وهدموا الجدار، ليتنفس الناس الحرية. وظن العالم ان عار السواتر والجدران  لن يعود الى الأبد. ولكن شدّ ما فوجئوا إذ اكتشفوا منه نسخة جديدة، منقّحة بكل تقنية حديثة، فهو من الطول والعرض والعلو بما ينافس أسوار الصين، ومن المرونة والليونة والرشاقة، بحيث يتعرج ويتلوى، ويلتفّ حول كل بيت ومتجر ومكتب، وحاجز وبوابة ومعبر. وإذا النمط الجديد مادة للتصدير، واذا هناك دول مستعدة للاستيراد، ولمباشرة التطبيق فوراً، بدءاً بالعواصم. واذا هناك، من جديد، خطوط وحدود، في التسمية خضراء أو زرقاء، ولكنها جميعاً في الواقع حمراء، يتقاتل على جانبيها المتصارعون أحياء، ثم يُطمَرون،أمواتا، في حفرة واحدة، كأنما هم من خندق واحد ولا عداوة بينهم. وإن كُتِب لأحدهم - أو عليه – أن تُعرَف هويته الطائفية او المذهبية، فالمصير معروف، أي كل واحد الى مجنّة مذهبه. ومن بعد أسوار المجنة، الصراع الصامت على كواشين الجنة.

 

ألا يزال أكثرنا يجسّد تلك السامرية، فيسأل ويتساءل معها: في اية كنيسة او جامع، او خلوة أو كنيس، يجب عليه أن يتخندق؟ ما أحوجنا اليوم أن نعود عشرين قرنا الى الوراء، لنسمع يسوع، ابن بلادنا، يعطي الجواب لبلادنا ولكل بلاد العالم: كفاكم سخافة وغباوة في ما تتصارعون عليه. فالله روح، وبالروح والحق يجب ان تكون عبادته.

 

إرنِست رينان (1823-1892) أديب ومؤرخ، وناقد ومفكر فرنسي كبير. كان اكليريكيا، فنقم على مربّيه، وهجر الكنيسة وحاربها. ولكنه لم يتمالك أن يكتب: "التاريخ كله يستغلق على الفهم بدون يسوع...إنَّ أسمى إدراك لله بلغَته البشرية هو إدراك يسوع له...لقد أسس يسوع العبادة الطاهرة، المتحررة من أُطُر الزمان والمكان والأوطان...انها العبادة الكفيلة بأن تمارسها جميع النفوس السامية، حتى آخر الأزمنة".

 

لقد قال الإمام عليّ:

 

                        لا دارَ للمرء بعد الموت يسكنها           الاّ التي كان قبل الموت بانيها

 

عن مثل هذه الدار الجنة، جنةِ ما وراء السور، يقول بولس الرسول:" ما لم ترَه عين، ولا سمعت به أُذٌن، ولا خطر على قلب بشر، ما أعدّه الله لمحبّيه" (1 كورنثس 2/9). انها سعادة المشاهدة والاتحاد بالله، التي استشفّ بعض الصوفيين شيئاً منها، كقول ابن الفارض:

 

            قُـلْ لــلـذيـن تــقـدمـوا قـبـلي، ومَـن            بعدي، ومن أضحى لأشجاني يرى

 

         عني خذوا، وبي اقتدوا، ولي اسمعوا           وتـحـدثـوا بـصبابـتي بـيـن الـورى

 

          ولـقـد خلوتُ مع الحـبـيـب، وبـيـنـنا            سِـرٌّ أرقّ مـن الــنـسيــم إذا سـرى           

 

         فـدُهِـشـتُ بـيـن جــمــالـه وجــلالــه           وغـدا لـسـان الـحـال عـنّيَ مُـخْـبِـرا

 

فلا نتخاصمْ هنا عند سور المجنة، ولا هناك على صكوك ملكية الجنة. وهنيئا لمن عرف، وهو هنا، قبل بلوغ السور، أن يبني، بالانفتاح والخدمة والمحبة الشاملة، التي لا تستثني إنسانا على الأرض، داره او جنته لما بعد السور، جنةً تجمعه بكل إنسان، بدون حواجز وحدود، وبدون يافطات "ملك خاص" أو "ممنوع الدخول"، وينعم فيها بعودة المخلوق الى خالقه، والابن الى أبيه، ليتمتع بمشاهدته والاتحاد به الى الأبد.

 

 Copyright © 2009-2019 Almohales.org All rights reserved..

Developed & Designed by Sigma-Space.com | Hosting by Sigma-Hosting.com